المقال الخامس: الجزء الثاني

التاريخ الفعلي لإنتشار المسيحية بلاد النوبة هو، سنة (326- 372) ميلادية

يبدو أن بعد استلام أثناسيوس الرسولي كرسي الإسكندرية فكر في رسامة اسقف في منطقة فيله والتي تقع في بلاد كوش أي بلاد النوبة وذلك لوجود جالية مصرية في تلك المنطقة وهذا التاريخ يدونه يوحنا الأفسسي في كتابه “التاريخ الكنسي” كما يكتب رولاند ويرنر فيقول: “سُجلت حوادث تنم عن اتصال بعض الرهبان المصريين بالنوبة.  وأول الشاهد التاريخية لبداية انتشار المسيحية هناك تتمثل في تنصيب الأنبا أثناسيوس الرسولي بطريرك الإسكندرية (326- 372) أسقفاً لفيله التي أصبحت منذ العام 362 مقراً للأسقفية.  وكانت هناك جالية مصرية في قصر إبريم قبل أن تصبح مملكة نوباتيا النوبية مملكة مسيحية.  ويُعتبر يوحنا الأفسسي أهم مَن أمدنا بمعلومات عن انتشار المسيحية في النوبة في كتابه “التاريخ الكنسي”،”.[1]  إن منطقة فيله هي منطقة كوشية تقع في أقصى شمال بلاد النوبة أي بلاد كوش.  وهي منطقة قرب حدود أسوان.  أما إبريم فتقع جنوب فيله وتقع منطقتين بين الشلال الأول والثاني كما تُعرف هذه المنطقة بالنوبة السفلى بينما المنطقة التي تقع تحت أو جنوب الشلال الثاني بالنوبة العليا.  لقد غرقت هذه المنطقة الواقعة جنوب الشلال الثاني إثر بناء السد العالي والذي غمرت مياه كل أراضي بلاد النوبة السُفلى والعليا.  أنظر الخريطة (الشكل رقم).

الملك النوباتي (النوبي) يعتنق المسيحية طبقاً للمذهب اليعقوبي

رغم أنّ المسيحية إنتشرت في بلاد النوبة وتم رسامة أسقف لفيله رسميّاً عام 362 ب.م، إلا أنّ يبدو أن ملوك النوبة لم يعتنقوا المسيحية بعد.  ولكن سنة (543) ميلادية وبحسب يوحنا الأفسسي، فإن القس يوليانوس طلب مقابلة الإمبراطورة ثيودورا وهي زوجة الإمبراطور جوستنيان وهذا الطلب مهّد الطريق لأعتناق الملك النوباتي (النوبي) للمسيحية.  إن الإمبراطور جوستنيان إمبراطور روما، كان يدعم المذهب الخلقدوني (الملكاني)، بينما زوجته المصرية تعتنق المذهب اليعقوبي. وكما يكتب جودت جبره عن شهادة يوحنا الأفسسي في كتاب (المسيحية عبر تاريخها في المشرق) فيقول: “وقد أشاد بدور القس يوليانُس الذي طلب مقابلة الامبراطورة ثيودورا زوجة الامبراطور جوستنيان عام 543، والتي كانت تدعم المذهب اليعقوبي، بينما كان الامبراطور يعضد المذهب الخلقدوني أو الملكاني.”[2] يبدو أن كان هناك صراع بين الامبراطور جوستنيان وزوجته الامبراطورة ثيودورا والتي تنحدر من مصر.  وهذا الصراع ناتج عن الفكرتين عن طبيعة المسيح.  كان الكنيسة الغربية والتي يُمثلها الامبراطور جوستنيان، كانت تعتنق المذهب الخلقدوني القائل بالطبيعتين للمسيح طبيعة إلهية وطبيعة بشرية.  بينما زوجته ثيودورا تعتنق المذهب اليعقوبي الشرقي والقائل بالطبيعة الواحدة للمسيح.  وعندما طلب القس الشرقي يوليانُس مقابلة الامبراطور ثيودورا، كان هدفه أخذ الدعم منها لذهاب إلى بلاد النوبة ونشر المسيحية هناك وبالواضح نشر الفكر اليعقوبي مذهب الطبيعة الواحدة للمسيح.  هذا الأمر جعل منافسة بين الامبراطور جوستنيان وزوجته ثيودورا.  لأن كل منهما يريد نشر ما يعتنقه.

الامبراطورة ثيودورا المصرية الأصل تعطّل وفد زوجها: قبل موت البطريرك الإسكندرية تاوضروس قام برسامة جوليان (جوليانُس) أسقفاً لبلاد النوبة وإشترك الامبراطورة ثيودورا في ترتيب والإرسالية إلى النوبة وتعطيل وفد زوجها كما يكتب رولاند ويرنر فيقول: لقد تحرك وفدي من القسطنطينية متوجهاً إلى مصر وبعد ذلك إلى بلاد النوبة.  إلا أن الامبراطورة ثيودورا حددت مصر بتعطيل وفد زوجها وإرسال وفدها إلى بلاد النوبة.  إذ قالت لحاكم إقليم جنوب مصر لا يسمح بوفد الامبراطور جستنيان زوجها بالذهاب إلى بلاد النوبة قبل وفدها وإلا سوف يأمر بقتل الحاكم.  ووصل وفد الامبراطورة ثيودورا أولاً وإنطلق نحو النوبة وبعد وصول الوفد الثاني قيل لهم أن لا يوجد جمال للسفر فعليهم الإنتظار.  وهكذا وصل الوفد الأول وتعطل الوفد الثاني وفد الامبراطور جوستنيان.[3] إن إنتصار الامبراطورة ثيودورا الداعمة للمذهب اليعقوبي، هو ما جعل نشر مذهبها وبالتالي إكتسبت نفوس بلاد النوبة وخصوصاً مملكة نوباتيا وعاصمتها فرس.  ولكن لم يفشل وفد الامبراطور جوستنيان نهائياً، بل بذل جهده وإتجه نحو مملكة المقرة جنوب نوباتيا لنشر المسيحية ومذهبها هناك.

الملك النوباتي يعتنق المسيحية: مع هذا التوتر بين الامبراطور وزوجته، فقد أرسل كل منهما رسلاً ذلك نشر المسيحية في بلاد النوبة.  وبما أن المسيحية إنتشرت مسبقاً إلا أنّ كان الهدف الأول هو نشر المذهب لأن هذا كان يشكل مصدر للنفوس والسياسة.  ومع الوفدين أعتنق الملك النوباتي مذهب اليعقوبي الشرقي كما يكتب جودت جبره في كتاب (المسيحية عبر تاريخها في المشرق) فيقول: “وقد أوفد كل منهما رسلاً للتبشير بالمسيحية في بلاد النوبة وكان النصر لموفدي الامبراطورة ثيودورا.  وأعتنق الملك النوباتي المسيحية طبقاً للمذهب اليعقوبي، وكانت فَرَس مقر حكمه. وظلّ القس يوليانُس في نوباتيا لمدة عامين واستمر بعده ثيودور، أسقف فيله، في نشر المسيحية حتى عام 551.”[4] إذاً الملك النوباتي أصبح مسيحيّاً رسميّاً ما بين (543- 551 ب.م)، حسب المذهب اليعقوبي القائل بالطبيعة الواحدة للمسيح.  ما يجب معرفته هنا هو، أنّ المسيحية إنتشرت بين الشعب قبل هذا التاريخ كما ذُكر سابقاً. إلا أنّ في هذا التاريخ أهمّيته هو، في قبول الملك الإيمان وكل حكامه مما مهّد الطريق نحو أعلان المملكة، مملكة مسيحية.  ما يجب معرفته أيضاً أنّ في تلك الفترة كان في بلاد النوبة ثلاث ممالك نوبية وهي مملكة “نوباتبا” وعاصمتها فرس، ومملكة “المقرة” وعاصمتها دنقلة العجوز ومن ثم مملكة “علوة” وعاصمتها سوبا.

بقلم/ هابيل شمسون

باحث في تاريخ السودان الكتابي


[1]  حبيب بدر، محررون، المسيحية عبر تاريخها في المشرق. ترجمة عن الفرنسية جيروم شاهين وأخرون، ترجمة عن الإنجليزية حسني زينة وفضل أبو النصر. 337- 41.

[2]  حبيب بدر، محررون، المسيحية عبر تاريخها في المشرق. ترجمة عن الفرنسية جيروم شاهين وأخرون، ترجمة عن الإنجليزية حسني زينة وفضل أبو النصر. 337- 41.

[3]  رولاند برونر، آخرون، يوم الدمار ويوم الأمان. زكري رزق جيد، 30- 33.

[4]  حبيب بدر، محررون، المسيحية عبر تاريخها في المشرق. ترجمة عن الفرنسية جيروم شاهين وأخرون، ترجمة عن الإنجليزية حسني زينة وفضل أبو النصر. 337- 41.

Add comment

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

By habil

مقالات