المقال الخامس: الجزء الأول

دخول المسيحية بلاد النوبة (أرض كوش)

بلاد النوبة اسم مرادف لأرض كوش التي هي السودان كما تم الحديث عنها سابقاً.  لقد كان للكوشيين أسماء عديدة إلا أنّ إسم كوش عُرف كثيراً في العهد القديم أي عند شعب إسرائيل في الفترات ما قبل الميلاد.  أما إسم النوبة فهو الإسم الذي أطلقه المصريين القدما على الكوشيين أي على أرض كوش وكان له مدلوله أي كان يعني أرض الذهب أو بلاد الذهب.  لقد بدأ إسم النوبة يأخذ شهرته بعد تراجع الإمبراطورية من مصر وإكتفاء بجنوب مصر والذي هو السودان الحالي.  وخصوصاً عندما بدأ إنقسام الإمبراطورية إلى ممالك.  مثلاٌ: مملكة نوباطيا ومملكة المقرّة ومن ثم مملكة علوة.  فكان تُسمى هذه الممالك بالمماليك النوبية وهي ذاتها الممالك الكوشية.  ثم بعد ذلك إلى ممالك أُخرى مثل: مملكة الفونج ومملكة سنار أو سلطنة سنار وغيرها حديثاً.  كل هذه الممالك تفرّقت من الإمبراطورية الكوشية بعد إنهيارها.  وبالتالي أرض كوش هي أرض بلاد النوبة والنوبة هم الكوشيين.

إذاً في هذا الجزء سوف يتم إستخدام إسم “النوبة” بدل إسم “كوش” وذلك بحسب ما جاء في التاريخ مؤخّراً وخصوصاً بعد إنقسام الإمبراطورية الكوشية إلى ممالك نوبية.  وبعد إنتهاء الإمبراطورية الكوشية وظهور ممالك متفرقة تحوّل إسم كوش إلى النوبة أو البجا أو غيره ولم يعد هناك مجموعة اليوم تُسمّى بالكوشيين بل إلى قبائل مختلفة تفرقت من الإمبراطورية الكوشية.   ولكن السؤال هو، متى دخلت المسيحية بلاد النوبة؟  أولاً: هناك آراء كثيرة مؤيّدة تاريخية الوزير الإفريقي (الخصي الكوشي) أو الأثيوبي بأنه من نقل المسيحية بلاد النوبة.  والذين يعتقدون في ذلك هم كُثر.  ثانياً: التاريخ الفعلي لإنتشار المسيحية بلاد النوبة.  ثالثاً: تاريخ أعلان الممالك النوبية، ممالك مسيحية شعباً وحكاماً.  ثم بعد ذلك إنهيار المملكة المسيحية بدخول الإسلام ثم عصر الإرساليات الجديدة على السودان.

أولاً، رأي جوديت جبره: لا يسجل لنا التاريخ أي معلومات أكيدة بالتاريخ عن متى دخلت المسيحية بلاد النوبة (السودان) إلا أنّ هناك أعتقاد بأنّ الوزير الإثيوبي الذي زار أورشليم بغرض العبادة، وتقابل مع المبشّر فيلبس، ربما هو من بشّر الملكة كنداكة ملكة بلاد النوبة في الوقت المبكّرة بعد قيامة المسيح من الأموات وكما يكتب حبيب بدر وآخرون في كتاب (المسيحية عبر تاريخها في المشرق) فيقول: “لا نعرف بدقة متى دخلت المسيحية بلاد النوبة، ويُعتقد أنها تسربت أولاً عن طريق السائرين المجتازين هذه البلاد.  ويرى البعض أن الكنداكة، أو ملكة الحبش، كانت ملكة مروي (حوالي 37 ميلادية) وربما هي التي جاء ذكرها في أعمال الرسل (8: 26- 39). والتي قام فيليبُّس الرسول تبشير خصيها بالمسيحية.”[1]  إذاً من هذا التاريح المبكّر عام 37 ب.م أي بعد صعود المسيح هو التاريخ المرجّح بدخول المسيحية بلاد النوبة (أرض كوش).  وبالتالي يكون الوزير الإفريقي الأثيوبي بمعنى الكوشي السوداني هو الذي له الفضل في إدخال المسيحية في البلاط الملكي الكوشي.  فإذاً، رأي جودت جبره هو، أنّ الإعتقاد السائد هو الوزير الإثيوبي (الكوشي) هو من أدخل المسيحية بلاد النوبة.

ثانياً، رأي رولاند برونر وآخرون: يرى هذا الرأي أيضاً أنّ سفر أعمال الرسل سجل دليل على أن وزيراً لخزانة كنداكة ملكة مروي هو من نقل رسالة الإنجيل إلى بلاد النوبة فيقول: أنّ جاء في (أع 8: 26- 40) عن قصة وزير مالية لمملكة مروي والمسؤول عن خزانة مالية لملكة كنداكة.  يبدو أن هذا الوزير سافر لأُرشليم لرغبته الشديدة لمعرفة وعبادة الله الحي.  ومن الواضح هو من نقل رسالة الأخبار السارة من الإنجيل إلى بلاد النوبة.  وبهذا يكون الوزير المروي السوداني هو أول من شخص غير يهودي “آمن بالرب يسوع”.  وهذا التاريخ مبكّر حتى قبل عام 40 ميلادية، وهذا حتى قبل القائد الروماني قائد المئة الذي آمن بالرب يسوع أيضاً.[2] إن رولاند ويرنر يؤيّد جدوت جبره على أن وزير مالية لمملكة مروي وهو وزير لملكة كنداكة، هو من نقل رسالة الإنجيل مبكّراً إلى بلاده السودان.  وبذلك يكون هو أول شخص يُدخل المسيحية أرض السودان أو بلاد النوبة.  وبما أن يرى جودت جبره أنّ تاريخ دخول المسيحيةبلاد النوبة هو عام 37، بمعنى بداية القرن الأول الميلادي. إلا أنّ رولاند ويرنر لا يختلف معه في التاريخ إذ يقول قبل 40 سنة ميلادية وهذا يعني ربما في نفس الفترة المبكّرة بعد قيامة وصعود المسيح.  ولكن لم يشاهد نمو المسيحية في فترتها المبكّرة أي بعد هذا التاريخ كما جاء في (أع 8: 26- 40) إلا في ما بين عام (326- 372) بعد تنصيب الأنبا أثناسيوس الرسولي على كرسي الإسكندرية أُسقفاً على فيله في النوبة.

هابيل شمسون: باحث في تاريخ السودان الكتابي


[1]  حبيب بدر، محررون، المسيحية عبر تاريخها في المشرق. ترجمة عن الفرنسية جيروم شاهين وأخرون، ترجمة عن الإنجليزية حسني زينة وفضل أبو النصر. 337- 38.

[2]  رولاند برونر، آخرون، يوم الدمار ويوم الأمان. زكري رزق جيد، 25.

Add comment

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

By habil

مقالات