المقال الرابع: الجزء الثاني

موقف الكنيسة تجاه الدولة

ورقة بحثيّة مقدمة في إحدى كليّات اللّاهوت عام 2014

مقدمة

المسيحيين اليوم وفي الوطن العربي وإفريقيا يعيشون في ظروفٍ صعبة بين الاضطهاد والتهجير، خصوصاًكما حصل مع أهل الموصل في العراق واضطهاد المسحيين في السودان في عهد الحكومة البائتة (المؤتمر الوطني).  في الموصل تم تهجير المسيحيين بوضع لهم خيارات لا تتوافق مع عقيدتهم، وهي تغيير عقيدتهم أو دفع الجزية أو مغادرة الدولة كأنهم غرباء، وكل ما يجري سببه عدم الاستقرار السياسي في البلاد، لكن موقف المسيحيين غير واضح بالنسبة للحراك السياسي والاجتماعي بالمنطقة، وحتى دورهم في العمل السياسي والاجتماعي. إنّ الكنيسة اليوم إذا كانت تعتبر نفسها جزء من الدولة، يجب أن يكون لها موقف وتساهم بما يجب. 

كيف كان وضع الكنيسة الأُولى في الدولة الرومانية. هل كان هناك علاقة بين الكنيسة والدولة الرومانية.   كيفية الاستفادة من خبرات الكنيسة الأُولى وانعكاسها اليوم في المجتمع الإفريقي والعربي؟  وخصوصاً أن للدولة قوانينها ربما لا تتوافق مع الأخلاق المسيحية.  والسؤال هو هل الكتاب المقدس يحدد كيفية المشاركة السياسية والاجتماعية للمؤمن؟ أم أصلاً لا وجوب للمشاركة.  كيف يُقرأ ما جاء في رسالة رومية عن أن كل السلطة مرتبة من الله.  قال المسيح أعطوا لقيصر ما له وأعطوا لله ما لله. يبدو أن هناك حقوق مشروعة يجب أن تُعطى للدولة ولكن أيضاً دون أن ننسى صاحب السلطان. في هذه كيف يمكن للكنيسة أن تكون مستقلة دون انفصال عن الدولة ومنها تضع نموذجاً بحسب نظرة الكتاب المقدس وتعطي للعالم أفضل ما عندها من الأخلاق والذي هو الجزء المفقود في هذه الأيام.

ما علاقة المجتمع الكنسي بالدولة؟

إنّ المجتمع الكنسي هو جزء من المجتمع والمجتمع هو الدولة والدولة تُحكم بالحكومات التي تُخرجها هذه المجتمعات وكما يكتب صموئيل حبيب فيقول: أن الدولة تتكون من مجتمع داخل مكان معين من الأرض وهذا المجتمع يعمل للعيش مع بعضها البعض، حيث يقسم إلى حكومة وشعب وأفراد، إذ أن الدولة تلتزم بحفظ النظام، بواسطة الحكومة.  وبما أن الحكومة تمثل الدولة إلا أن الحكومة تُقصد بها جهاز الحكم من تشريعات وأحكام، يمكن أن نقول الحكومة هي منظمة تعمل على حماية الإنسان.[1]  وفي ذات الموضوع يقول المسكين: أن “المسيحيين مُطالبون بالخضوع للسلطات الرسمية من أجل الضمير”[2].  إذاً يجب على المؤمن الخضوع للدولة ولكن ليس لسبب الخوف بل من واجب أخلاقياته المسيحية.  ومهما يُعتقد في حكومات السوء وإن كانت مستبدة، ولكن حقيقة تبقى وجود حكومة ولو فاسدة أحسن من عدمها، حتى لا يسود الفوضى في المجتمع كما اليوم في الوطن العربي بعد ما يُسمى بالربيع العربي.

وبخصوص علاقة الكنيسة بالدولة يقول فرانسس دافراس: أن بولس الرسول وجه رسالته للمسيحيين في دولة روما الإمبراطورية، وخاطبهم ليس فقط ككنيسة بل كأفراد، إذ طالبهم بالخضوع للسلطة، وبرغم هذا لا تعبر بالضرورة على أنها موحى به ولكن على الأقل تعتبر بمثابة إعلان من الله لكل الأزمان، وهذا نسبة لوجود عوامل كثيرة.  منها أن قرار نشأة جميع السلطات يأتي جوهرياً من الله، فالحكومة مرتبة ولها وضع خاص من الرب وقصده.  أما من جانب اللاهوتي نرى أن الكنيسة والدولة كليهما يساعدان في ملكوت الله، حيث أن لكل واحد دوره، والذي يقاوم السلطات أو الدولة عندما تعصي الله ولله طرقه.  وباعتبار الحكومة معيّنة من قبل الله إذا أُعتُبرت السلطات مرتبة منه، وهنا  تحريض بولس لطاعة الحكومة المدنية لسببين أولاً: لأنها وضعت لتعمل حسب بر الله، ثانياً: إنها خادمة الله، وخدمتها هي الحفاظ على النظام في حضرة القدير، وتقوم بالعقاب على كل من يفعل الشر.  إذا كل من يفعل الشر عليه أن يخاف السلطات لأنها المفوضة لنشر الصلاح، وهذا واجب كل مسيحي في إطاعة السلاطين كمُعيّنين من الله.[3]قد يكون الرسول بولس أشار إلى نقطة مهمة ليست فقط في ذاك الزمان بل في وقتنا الراهن التي فيها يرى الناس الأوضاع السياسية لا تبشر بالخير.  إلا أن على الكنيسة أن تركع وتصلي وتصوم تطلب السلام والحكمة لحكامها وليس شيء آخر.

تعريف لكلمة سياسة

إن كلمة “سياسة” ترتبط كثيراً بالحكومات والأحزاب السياسية في الدولة.  ولكن السياسة لها معنى أوسع من ذلك كما يكتب ويعرّف مكرم نجيب كلمة سياسة إذ يعطي لهذه الكلمة معنيين فيقول: المعنى الأول: وهو الشامل والذي يُشير إلى الحياة المدنية، لذلك تعني مسؤوليات المواطن والتي تشمل عامة جوانب الحياة في المجتمع البشري، بالصورة والواسعة.  أما المعنى الثاني: ويعني بعلم الحكومة أو الجانب المختص بالسياسة الحكومية[4]“The Science of Government”   وهنا إشارة إلى تبني وجهة نظر معيّنة من السياسات والاهتمام بها لتصبح ضمن قوانين يتم بها الحكم في الحياة.  المسيح على الأرض لم يمارس السياسة بمعناها الضيق، بمعنى لم يكوّن له حزب سياسي ولم يُنظّم أو يكوّن مجموعة معارضة سياسية، بل شارك في العمل الاجتماعي وتحدى كل القيّم والسلوكيات بتقديم نموذج أخلاقي جيّد.[5]

ويمكن أن يستنتج هنا من الكلمة نفسها بأنها تعني تنمية قدرات الإنسان وتوظيفها لصالح المجتمع، والحياة كلها تُدار بالسياسة عندما تتبنى عقيدة معينة.  إن كل ما يقوم به المرء من إدارة شئوونه الخاصة سواء كان في بيته أو مكان عمله أو تخطيط لمستقبله هو من السياسة العامة وهذه واجبة.  أما ما يختص بسياسة الحكومات والأحزاب، فالكنيسة غير مدعوة لهذه السياسة.  وإذا كان هناك مؤمنين يشاركون في الحكومة والأحزاب، فهم لا يمثلون الكنيسة بل باعتبارهم مواطنين لهم الحق في ممارسة حقوقهم وواجباتهم.

ما هو موقف المسيحيين الأوائل من العمل السياسي وكيف يمكن أن ينعكس علينا في القرن الحادي والعشرين

يقول حبيب أن الكتاب المقدس لا يرصد لنا طريقة معيّنة لممارسة السياسة، ولا يوجد بالأصل نظام سياسي ولا اقتصادي متبع لأن المسيحية ليست لديها قانون ولا منهاج سياسي، ولكن في ذات الوقت هي قادرة أن تتكيف مع أي مجتمع دون أن تفقد رسالتها، بل في أشد الظروف تكون في قمّة قوتها.  وهناك أمثلة كثيرة في تاريخ المسيحية في عصورها المختلفة.  إن اللاهوت له ارتباط بكل ما يجري في الساحة من الأحداث المختلفة السياسية وغيرها.  لقد ولدت المسيحية زمن الإمبراطورية الرومانية، وعاشت حياة الاضطهاد بكل قسوة، في بدايتها حيث تلقى أتباع المسيح أشد العذاب من قبل الدولة الرومانية، كل هذا لأن الدولة تبعت نهج أو سياسة معيّنة وهي عبادة الإمبراطور.[6]مع كل هذا الذي وقع بالمسيحيين، كان عليهم احترام وطاعة الدولة الرومانية كسلطة، ولم تقم المسيحية بأي ثورة ضد الإمبراطور حتى تدافع عن عقيدتها أو حقها الوطني.  يُفهم أن الكنيسة ليست لها أي عقيدة لتكوين أحزاب سياسية وممارسة الحياة السياسية.  لأن رسالتها هي رسالة سماوية عليها ترك السياسة للدولة

رسالة رومية تعتبر من الرسائل التي يُلاحظ فيها لهجة صارخة من جهة مطالبة المؤمن باحترام السلطات كما يكتب المسكين فيقول: أن رسالة رومية تعتبر أول رسالة ترسل للمؤمنين في روما، منذ بداية المسيحية.  وكانت لأسباب كثيرة جعلت بولس يكتب هذه الرسالة، إلا وأن الوضع السياسي في روما كان من صلب الموضوع والذي رأى فيه بولس أن يضع  المسيحيين على الطريق الصحيح وهذه الرسالة لا يمكن إخفاء ما كان تحمله من اتجاهات روحية خلاصية بمستوى عالي، وسياسية خطيرة، وفي الوقت الذي تحوّل عبادة الآلهة إلى عبادة الإمبراطور نفسه، يقول حبيب: “وكان رفض السجود لصورة الإمبراطور يعتبر تعدياً على الدولة.”[7] هنا يظهر خطر على العقيد المسيحية والكنيسة ويجب في هذه الحالة أن يُطاع الله أكثر من الناس.

وكما يكتب متى المسكين: عن اعتلاء نيرون على الحكم، فيه قام بطرد اليهود والمسيحيين أو ما يسمونهم بالمتنصّرين.  ولخطورة الوضع المسيحي في الدولة الرومانية، أرسل بولس هذه الرسالة مفصلاً فيها واجبات المسيحي نحو الدولة.  لقد حث بولس المسيحيين على إظهار المحبة والأخلاق المسيحية بمستوى عالي، حاسبين أي وقوع في الاحتكاكات التي يمكن أن تحدث، وأن يحترموا الحكام والسلاطين في الدولة والخضوع لهم، وأن لا ينسوا في أعطاء لكل ذي حق حقه، وهذا من الجانب السياسي الذي تحمله الرسالة.  والجانب الثاني من السياسي، هو وضع احتمال بأن الرسالة ربما تقع في يد نيرون، والمراد هنا أن يتعرف هو أيضاً على المستوى الأخلاقي العالي من الجانب المسيحي.[8]  يمكن ملاحظة قراءة بولس للأوضاع الروحية والسياسية ووضع نفسه كجزء مهم من الحل، هذا ما يجب أن ينعكس في المجتمع المسيحي اليوم ويضع كل واحد نفسه تحت مسؤولية ما يجري من الصراعات سواء كانت سياسية، اقتصادية أو أخلاقية في الوطن.

مواقف آباء الكنيسة تجاه الدولة

كان للكنيسة مواقف كثيرة بحسب الظروف التي تواجهها من قبل الدولة، مرات تقف ضد الدولة وأحياناً بجانبها، مثلاً: في العصر ما قبل القسطنطيني الدولة كانت قاصية بل معادية ومضطهدة للكنيسة، ونتيجة لذلك كان دور الكنيسة سلبي للدولة.  أما عصر القسطنطين فكان الأمر مختلف لما أحتضن الإمبراطور المسيحية وأخذ منها ديناً للدولة الرسمية، توجهت الكنيسة نحو دعم هذه الدولة، إذ كانت الكنيسة مضطهدة صارت صاحبة السلام حيث أعتلى على أعلى مكانة ومراتب سياسية.  ولكن وصول المسيحيين في المراكز القيادية في الدولة لا يعني بالضرورة أن المسيحية سوف تحافظ على نقاوتها، لذلك نرى هذه العلاقة الحميمة بدأت تتراجع عندما أدخلت الدولة عقيدة لا تتوافق مع الأخلاق المسيحية وهي عبادة الإمبراطور واعتباره مقدس، هنا أعترض المسيحيين ووصل بهم درجة الفصل بين الدين والدولة.[9]ومن هنا يجب الاحتراز، وإذا كان الغرض من ممارسة سياسية هي فقط الوصول إلى الحكم هذا لا يشرّف المسيحية ولا من أخلاقياتها.

ولذلك يمكننا أن نرى بعض أراء الآباء كما كتب حبيب عنهم يقول عن: مارتن لوثر الذي كان ينادي بمملكتين، الملكوت الذي لله، وملكوت الأرض.  استنادا بقانون “Augesburg Confession”[10]، أعتبر أن المملكتين لهما ارتباط بالإنجيل والقانون، والمملكة السياسية جزء من الترتيب الإلهي، لذلك المسيحي مطالب بطاعة الدولة حتى إذا لم يكون حاكمها نزيه، وإلا الشرط الوحيد أن لا تدفعه لفعل الخطية.  كما تبع كالفن ذات الفكرة معتبر أن وجود الدولة ما كانت إلا بإرادة الله وهي في خطة الإلهي في هذه الخليقة، ولكن عندما أخطأ الحكام حرض كالفن على حمل السلاح في وجه الدولة، أيضاً يوحنا نوكس وهو من زعماء مشيخة اسكتلندا، دعى إلى مقاومة أعداء الدين وحلل العنف والحرب دفاعاً عن النفس.[11]ما ذهب إليه كالفن لحمل السلاح وإن كان نتج عن أخطاء، إلا أن الكتاب المقدس لا يبرر ذلك بحمل السلاح أو المقاومة السياسية بنظامها الضيّق.  والكنيسة ليست الجهة التي تُحرِّض على حمل السلاح أبداً بل عليها أن تدعو للسلام والمحبة والوحدة وهذه هي رسالة الكنيسة تجاه الدولة.

يقول مكرم نجيب أن هناك عوامل جعلت البعض يتجهون إلى العنف والثورة ضد الدولة والتطرف الديني، وهو غياب مناخ الديمقراطية، وأحياناً رغبات شخصية لسعي وراء السلطة، ومن هنا استخدام الدين للسيطرة على الدولة والنفوس.  وعلى الكنيسة أن تعي هذا وتضع رؤية تساعد المجتمع في نشر السلام وليس العنف.  والرسول بولس يورد هنا بعض المبادئ الكتابية، مطالباً الكنيسة العمل بها.  والمبدأ هو، أنّ المؤمن دُعيَ ليكون نوراً للعالم، وأن يكون مواطناً صالحاً.[12] المؤمن مطالب بنشر الوعي والإعلان الإلهي بمواقف لها مبادئ من الأخلاق المسيحية وليس بالعنف (أنظر تيط 3: 1، مت 5: 14) هذه المبادئ تُعتبر من واجبات المؤمن تجاه الدولة والمجتمع.

أما بخصوص المؤيّدون يكتب حبيب: أن أصحاب هذا الرأي يطالبون بالتدخل المسيحي تجاه السياسة للشهادة بما يؤمنون به من الإيمان المسيحي، لأن السياسة لا تتوافق مع الحريات المسيحية، وبرغم أن السياسة لا تتوافق إلا أن من مسؤوليات المسيحي هو الشهادة والخضوع للدولة.  يرى آخرون أن المسيحي يترتب عليه الكفاح في الصراع حتى يتحقق العدالة في المجتمع. ومن خلال هذه النظرية يجب على الكنيسة أن تلتزم بمسؤولية وتأخذ موقعها ودورها في المجتمع.[13]وإن كانت الكنيسة ليست لها علاقة بالسياسة بمفهومها الضيّق، إلا وأن للكنيسة دور بنظرة واسعة وعليها أن يكون لها موقف تجاه ما يجري في والطن وإبراز الصورة المثالية في الأخلاق وإصلاح المجتمع بما يتوافق مع الكتاب المقدس.  هنا يمكن أن تشارك الكنيسة في المفاوضات التي تحدث بين الأحزاب السياسية بغرض الحياد وحث الطرفين على الإحلال بالسلام والمحبة والنظر إلى مصلحة الوطن.

كيف تكون الكنيسة مستقلة غير منفصلة عن الدولة؟

بما أن الكنيسة تعتبر مؤسسة تمثل المسيح بل المسيح هو رأسها ومثال للأخلاق الجيّدة، وفي (مت 16: 18) يمكن الملاحظة كما كتب سامي حنا قائلاً: أن هذه الآية لا تعنى التصدي والدفاع، بل الهجوم لكل قوات الشر.  إذاً الكنيسة هي المهاجمة لكل أبواب إبليس ومملكته، وما ذهب إليه الآخرون من أصحاب الفكر الانعزالي كما ذكر سابقاً يعتقدون بأن لا يوجد علاقة تربطهم بالعالم والمجتمع لذلك هم يدعون المؤمنين في حقبتهم بالابتعاد عن العالم.  ولكن من الملاحظ هو لا يجب الانعزال بل العيش في وسط المجتمع، ولكن محفوظين ومحافظين على قيمهم ومبادئهم، وهذا دليل في رؤية المسيح أن يبقى المؤمنين في هذا العالم، أنظر (يو 17: 15- 18).[14]هناك أيضاً رأي يدعو إلى الانخراط في أمور الدولة وحتى وصول والسيطرة على المراتب وفي كل مجالات الحياة، إلا أن هذه الفكرة هي التي قادت الكنيسة في عصرها الأول إلى التدخل في شئون الدولة وقادت الكنيسة إلى الظلام الروحي، إلى أن جاء حركة إصلاحية لإعادة الكنيسة لمكانتها الروحية الصحيحة.[15]

إن الكنيسة يجب أن تكون مشاركة في الدولة والمجتمع باعتبارها جزء من هذه الدولة والله وضعها لتكون ملحاً، وإلا يكون موقف سلبي تجاه المجتمع، ويجب على الكنيسة أن تأخذ بعين الاعتبار أن لا تشترك مع هذا المجتمع في شره، بل مبغضين كل الشر غير ناسين دورهم لفعل كل الخير لدولتهم ومجتمعهم.[16]من خلال هذه الأفكار أن التفاعل مع المجتمع والدولة أمر يكون موقف أقرب إلى ما كان يدعو له يسوع، لمشاركة المجتمع بكل ما له من شفاء، إقامة الموتى، إشباع الجياع، واتخاذ مواقف في كل ما يدور سواء كانت دينية، اقتصادية أو سياسية، ومواقفه لا لبحث مناصب في الدولة بل لإصلاح المجتمع.

موقف الكتاب المقدس عن السلطة المدنية؟

“لِتَخْضَعْ كُلُّ نَفْسٍ لِلسَّلاَطِينِ الْفَائِقَةِ،لأَنَّهُ لَيْسَ سُلْطَانٌ إِلاَّ مِنَ اللهِ، وَالسَّلاَطِينُ الْكَائِنَةُ هِيَ مُرَتَّبَةٌ مِنَ اللهِ،‏٢ حَتَّى إِنَّ مَنْ يُقَاوِمُ السُّلْطَانَ يُقَاوِمُ تَرْتِيبَ اللهِ، وَالْمُقَاوِمُونَ سَيَأْخُذُونَ لأَنْفُسِهِمْ دَيْنُونَةً.” رومية 13: 1- 2.  يقول جون ماك آرثر: أن كلمة لتخضع في اليونانية استُخدمت لتعني طاعة الجندي بشكل مطلق لرئيسه.  ويأمر الكتاب المقدس بالطاعة للسلطات المدنيّة، إلا في حالة واحدة فقط إذا كانت السلطة تعصي كلمة الله.  إن السلطة الحاكمة هي المقصودة بالسلاطين الفائقة، وهذه إشارة إلى من في مناصب الحكومة المدنية، فالله هو المهيّمن فكل حكومات مستمدّة منه، ويجب الخضوع لها.[17]  بما أنَّ كل السلطة مرتّبة من الله، إذاً واجب على كل مسيحي احترامها، وإلا إذا كانت تمنعه من ممارسة إيمانه بالمسيح، أو تسعى لأخذ مقام الله، هنا وجب طاعة الله أكثر من كل شيء.  وحتى إذا كان هناك مثل هذا، يجب التتبع الطرق السلمية كالصلاة والصوم ثم المطالبة بحقهم بطرق قانونية كمواطنين يعيشون في الوطن ولهم حقوق وواجبات.

يقول المسكين: لقد رفض بولس بأن تقوم ثورات ضد الحكام باسم المسيح، أو بمعنى آخر رفض قيام المسيحيين بالثورة، لقد أثار بولس على الحاكم الذي بدأ في تنفيذه للحكم عليه، عندما أمر بحكم الجلد بالسياط عليه.  ولكن بولس لم يقوم بالثورة أو احتجاج على أساس مسيحي أو ينتمي إلى المسيح، بل كواحد من مواطن روماني له حقوقه كما واجباته.  من خلال هذه يتضح بأن المسيحي كمواطن حر في وطنه، ولكن لا يكون على أساس ديني، بل تُمنع الكنيسة من القيام بالثورة أو أي عمل سياسي، ولا أن تُحرّض وتشترك ولا حتى أن تصوت على شيء سواء كان بالرضي أو بالرفض، لأن كل هذه ليست من خصوصيات الكنيسة، لأن الكنيسة تمثل المسيح.  إن المسيح لم يقوم بأي ثورة أو احتجاج ضد الحكّام ولا المحكمة الرومانية حتى في أهلك الظروف.[18]بكل ما قام به بولس لدفاع عن نفسه، إلا أنه منع استغلال هذا.  بل يرى أنَّ يجب أن تنشغل الكنيسة بهدفها، وتحت سيادة المسيح الممثل للكنيسة.  لقد أستخدم بولس حقه في الدفاع عن نفسه بالطرق القانونية وليس بالثورة أولاً، دعواه للدفاع عن نفسه (أنظر أع 25: 11- 12) “١١لأَنِّي إِنْ كُنْتُ آثِمًا، أَوْ صَنَعْتُ شَيْئًا يَسْتَحِقُّ الْمَوْتَ، فَلَسْتُ أَسْتَعْفِي مِنَ الْمَوْتِ. وَلكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا يَشْتَكِي عَلَيَّ بِهِ هؤُلاَءِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُسَلِّمَنِي لَهُمْ. إِلَى قَيْصَرَ أَنَا رَافِعٌ دَعْوَايَ!”.‏١٢حِينَئِذٍ تَكَلَّمَ فَسْتُوسُ مَعَ أَرْبَابِ الْمَشُورَةِ، فَأَجَابَ:”إِلَى قَيْصَرَ رَفَعْتَ دَعْوَاكَ. إِلَى قَيْصَرَ تَذْهَبُ!”.  ثانياً، دعواه ليس ضد أُمته أو وطنه (أنظر أع 25: 19) “‏١٩وَلكِنْ لَمَّا قَاوَمَ الْيَهُودُ، اضْطُرِرْتُ أَنْ أَرْفَعَ دَعْوَايَ إِلَى قَيْصَرَ، لَيْسَ كَأَنَّ لِي شَيْئًا لأَشْتَكِيَ بِهِ عَلَى أُمَّتِي.” هذا مثال عن كيف يعيش المؤمن في طنه كيفية ممارسة حقوقه وواجباته في الدولة.  قد يكون هناك من يرفضون التوجه نحو القانون بحجة المسيحية أسمى من القانون العالمي إلا أنَّ هذا القانون يضعه الله من خلال السلطان المرتبة منه وبالتالي يحق للمؤمن العمل به ولكن ليس ضد أحد بل للدفاع عن نفسه.

بخصوص السلطات يكتب بار كلي: عن واجبات المسيحي كما جاء في (تيط 3: 1) أن يعطي للسلطات الاحترام، ويستعد لكل عمل طالماً العمل صالح والمواطن الصالح مطيع للقانون ويعرف بأن من غيره ستصبح الحياة في فوضى.  لأن حياة الكريتيون كانوا قد أشتهروا بالشغب واعتداءات ضد السلطة، وهذا ليست من طبيعة المؤمن.[19]اليوم في إفريقيا والوطن العربي من الملاحظ أن المسيحيين منقسمين في هذه المسائل.  وخصوصاً من جهة السلطات ولكن الكتاب المقدس يوضح بعدم انعزال من الدولة بل مساعدة الدولة بالأعمال الصالحة (أنظر تيط 3: 1) “١ذَكِّرْهُمْ أَنْ يَخْضَعُوا لِلرِّيَاسَاتِ وَالسَّلاَطِينِ، وَيُطِيعُوا، وَيَكُونُوا مُسْتَعِدِّينَ لِكُلِّ عَمَل صَالِحٍ،‏”.  إذاً الطاعة للسلاطين والخضوع لهم ثم القيام بأعمال صالحة من صميم مشاركة المؤمن في بناء الدولة الصالحة.

من موقف الكتاب المقدس يمكن للمؤمن أن يضع رؤية أو نموذج عملي صالح للمجتمع اليوم حتى تساعد سياسة الدولة في تحقيق أهدافها السامية لطالما عليه مسؤولية تجاه المجتمع في الدولة.  وكما جاء في كتاب التدبير الإلهي: بأن يترتب للكنيسة واجبات نحو الوطن، وهي عليها  أن تقدم ذاتها مثالاً حيّاً، وبدل أن تقف متفرجة ومنتقدة للنظام الاجتماعي أم سياسي، عليها أن تعلن حياتها الجديدة.  كما أن أخلاقها تمثل قوة إنسانية قادرة أن تقود إلى الأفضل، وتكون سبب تغيير في المجتمع حيث الفساد الأخلاقي والثقافة الاجتماعية متدنية.[20]إن المجتمع المسيحي جزء لا يتجزأ من الوطن ويجب على المسيحي بذل كل ما في وسعه لإحلال السلام لأن فيه ما يكفي لتغيير المجتمع نحو الأفضل. وإسهامه أفضل من الانعزال والانتقاد وهناك أوامر كتابية تلقي مسؤولية الدولة على عاتق المؤمن أولاً، إكرام الملك والجميع (أنظر 1بط 2: 17) “١٧أَكْرِمُوا الْجَمِيعَ. أَحِبُّوا الإِخْوَةَ. خَافُوا اللهَ. أَكْرِمُوا الْمَلِكَ”.  ثانياً، إكرام السادة سواء كان صالحين أم غير صالحين (أنظر 1بط 2: 18) “.‏١٨أَيُّهَا الْخُدَّامُ، كُونُوا خَاضِعِينَ بِكُلِّ هَيْبَةٍ لِلسَّادَةِ، لَيْسَ لِلصَّالِحِينَ الْمُتَرَفِّقِينَ فَقَطْ، بَلْ لِلْعُنَفَاءِ أَيْضًا.”  ثالثا، الخضوع للسلاطين الفائقة لأنها مرتبة من الله (أنظر رو 13: 1- 2) “لِتَخْضَعْ كُلُّ نَفْسٍ لِلسَّلاَطِينِ الْفَائِقَةِ،لأَنَّهُ لَيْسَ سُلْطَانٌ إِلاَّ مِنَ اللهِ، وَالسَّلاَطِينُ الْكَائِنَةُ هِيَ مُرَتَّبَةٌ مِنَ اللهِ،‏٢ حَتَّى إِنَّ مَنْ يُقَاوِمُ السُّلْطَانَ يُقَاوِمُ تَرْتِيبَ اللهِ، وَالْمُقَاوِمُونَ سَيَأْخُذُونَ لأَنْفُسِهِمْ دَيْنُونَةً.”  إن كل هذه النصوص تأمر المؤمن بأن يكون صالحاً في الدولة.

الإستنتاج

استنتاجاً إنّ الفكرة العامة عند المسيحيين هي عدم التدخّل في شؤون الدولة، واستخلاصاً لتجارب كما عند العصر القسطنطيني، وحتى لا يقود هذا التدخّل إلى نوع من المساومة على القيم المسيحية، أو حتى لا تضيع رسالة الكنيسة.  لأن النتائج التي توصّلت إليها الكنيسة مع الدولة الرومانية في اعتبار الإمبراطور مقدس تخالف العقيدة المسيحية، وتضعف المسيحيين، ولكن هذا لا يعني بعدم مشاركة الكنيسة للدولة، لأن الكنيسة جزء من الدولة كما يأمر بولس بالخضوع على الدولة، وخصوصاً إذا أخذت تعليم الكتاب المقدس بأن كل السلطات مرتبة من عند الله. 

ما يجب الانتباه إليه هو أن الكنيسة لها رسالة يجب أن تصل إلى كل فئات المجتمع، وبهذا الانعزال لا يفيد ولكن الكنيسة يجب أن تقدم للدولة كل ما عندها من خدمات اجتماعية صحية وحتى السياسية بصورة عامة وليس السياسة بمعناها الضيّق. لا بتكوين أحزاب سياسية ولا بقيام بالثورات ضد الأنظمة. ولكن على الكنيسة أن تشارك بل تشاطر الدولة في حل قضاياها.  إذاً على الكنيسة أن تقف مع الدولة ببناء السلام وتعكس صورة جميلة للدولة في الداخل والخارج.

بقلم/ هابيل شمسون


صموئيل حبيب، الكنيسة والدولة، 12- 17.[1]

 متى المسكين، شرح الرسالة الأُولى للقديس بطرس الرسول، 91.[2]

فرانسس دافرس، تفسير الكتاب المقدس، 70- 71.[3]

مكرم نجيب، أنا والكنيسة والمجتمع، 52.[4]

 نفس المصدر، 52- 54.[5]

حبيب، 37- 39.[6]

 حبيب، 38.[7]

متى المسكين، شرح رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل رومية، 53 – 54.[8]

 حبيب، 38- 39.[9]

 حبيب، 43.[10]

 حبيب، 44- 46.[11]

 نجيب، 45- 47.[12]

 حبيب، 35- 36.[13]

 سامي حنا غبريال، الكنيسة غرس وامتداد، 21- 23.[14]

 نفس المرجع، 23.[15]

 غبريال، 23- 26.[16]

 جون ماك آرثر، تفسير الكتاب المقدس، 1934.[17]

 متى المسكين، شرح رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل رومية، 583.[18]

 وليم باركلي، تفسير العهد الجديد: الرسائل إلى تيموثاوس وتيطس وفليمون، ترجمة لطيف زكي بدروس، 354- 355.[19]

التدبير الإلهي في بنيان الكنيسة، 348- 349.[20]

1 comment

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

By habil

مقالات