المقال الثاني: الجزء الأول

كوش بين الشعوب وفترة ملوكها وفراعنها السود

في هذا الجزء يتم التعرف على بداية الظهور الكوشي في مملكة داوود وظهور مجموعات مع شيشق ملك مصر.  ثم ظهوره في قيادة الجيش المصري من خلال زارح الكوشي مروراً بتحالفاته الدولية.  وأخيراً قصة إشعياء مع فراعنة كوش أو الإمبراطورية الكوشية على مصر والسودان.  إنّ ظهور الكوشي في مملكة داود لا يعني بداية ظهور العام للكوشيين.  لأن الكوشيين يعود جذورهم إلى أبعد من ذلك ولكن المعني هنا هو، ظهوره في مملكة داود كما جاء في الكتاب المقدس.

أولاً: الظهور الكوشي في الجيش الداودي كما جاء في هذا النص (2صم 18: 21- 32)

النص تحت الدراسة: (2صم 18: 19- 23)

١٩وَقَالَ أَخِيمَعَصُ بْنُ صَادُوقَ: “دَعْنِي أَجْرِ فَأُبَشِّرَ الْمَلِكَ، لأَنَّ اللهَ قَدِ انْتَقَمَ لَهُ مِنْ أَعْدَائِهِ”.‏٢٠فَقَالَ لَهُ يُوآبُ: “مَا أَنْتَ صَاحِبُ بِشَارَةٍ فِي هذَا الْيَوْمِ. فِي يَوْمٍ آخَرَ تُبَشِّرُ، وَهذَا الْيَوْمَ لاَ تُبَشِّرُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ ابْنَ الْمَلِكِ قَدْ مَاتَ”.‏٢١وَقَالَ يُوآبُ لِكُوشِي: “اذْهَبْ وَأَخْبِرِ الْمَلِكَ بِمَا رَأَيْتَ”. فَسَجَدَ كُوشِي لِيُوآبَ وَرَكَضَ.‏٢٢وَعَادَ أَيْضًا أَخِيمَعَصُ بْنُ صَادُوقَ فَقَالَ لِيُوآبَ: “مَهْمَا كَانَ، فَدَعْنِي أَجْرِ أَنَا أَيْضًا وَرَاءَ كُوشِي”. فَقَالَ يُوآبُ: “لِمَاذَا تَجْرِي أَنْتَ يَا ابْنِي، وَلَيْسَ لَكَ بِشَارَةٌ تُجَازَى؟”‏٢٣قَالَ: “مَهْمَا كَانَ أَجْرِي”. فَقَالَ لَهُ: “اجْرِ”. فَجَرَى أَخِيمَعَصُ فِي طَرِيقِ الْغَوْرِ وَسَبَقَ كُوشِيَ.”

أنّ الصورة الكبيرة في هذه المشكلة تبدأ من الاصحاحات ما قبل 18 هي أنّ أبشالوم بن داود أراد مخاصمة أبيه داود ونزع منه السلطة.  وقد تبعه جمهورٌ كثيرة مؤيّدة له أي لأبشالوم.  وبدأ الحرب بين جيش داود ضد أبشالوم وجيشه وجماعاته.  وبحسب هذا الوحي فقد قُتل أبشالوم وأراد قائد جيش داود والذي هو يوآب، أن يُخبر داود الملك بخسارة إبنه في المعركة.  رغم ابنه كان عدوهِ، إلا أن الإبن يظل إبناً لأبيه.  ثم بادر أخمعيص معاون لقائد الجيش الداودي وهو يوآب وطلب منه أن يذهب ليُخبر الملك داود بوفاة إبنه أبشالوم.  إلا أنّ يوآب القائد فضل أن لا يحمل اخمعيص هذا الخبر الغير سار بل فضل أن يكون الكوشي هو من يحمل هذا الخبر للملك داود كما يكتب وليم مارش في هذا الخصوص،

عرف يوآب أن الملك يهتم أولاً بابنه فلا يكون خير قتله بشارة ولا ينال المخبر شكراً أو أجراً ولو حمل له بشرى الانتصار في الحرب.  ولم يدر يوآب أن أخمعيص ابن الكاهن يخبر الملك بما لا يسره فأرسل رسولاً آخر.  وسمى هذا الرسول كوشي كأن كوشي اسم علم.  وترى في (ع 22 و23 و 31 و32) بالعبراني أن كوشي معرفة بآل التعريف نسبة إلى بلاد كوش جنوبي مصر.  والمظنون أن الحرف ه وهو أل التعريف بالعبراني تُرك سهواً في (ع 21).[1]

بحسب هذا الرأي أو رأي وليم مارش فإن الكوشي هو من بلاد كوش جنوبي مصر.  وهنا يمكن أن يستنتج أن وجود الكوشي في المملكة الداودية أي في الجيش الداودي كان مبكراً.  إن وجود شخص في معركة ووقريب من قائد الجيش ثم يُرسل للملك بشكل مباشر قد يوحي أن هذا الخص له وظيفة عسكرية أو له علاقة وثيقة بالملك داود وإلا كيف وجد في أرض المعركة وكيف يسمح له بالخول لقصر الملكي.  وإن هذا أيضاً يعطي صورة جيّدة عن طبيعة وإخلاق الكوشي والذي يثق فيه كل من القائد يوآب قائد جيش الملك داود ويثق فيه أين الملك نفسه.

يرى بعض الشرّاح أن الكوشي كان عبد ليوآب قائد الجيش الداودي كما يكتب فيقول: أنّ يوآب يعرف محبة الملك لإبنه ولم يشأ أن يرسل أخمعيص حتى لا يستقبل غضب الملك، فأرسل كوشي وهو عبد ليوآب والذي يُعتبر من أرض كوش أي أن الكوشي من بلاد كوش.[2]  إلا أن هذا غير دقيق لأن حسب الآية 29 يبدو أن الكوشي يُذكر باسم عبد الملك (أنظر 2صم 18: 29) “‏٢٩فَقَالَ الْمَلِكُ: “أَسَلاَمٌ لِلْفَتَى أَبْشَالُومَ؟” فَقَالَ أَخِيمَعَصُ: “قَدْ رَأَيْتُ جُمْهُورًا عَظِيمًا عِنْدَ إِرْسَالِ يُوآبَ عَبْدَ الْمَلِكِ وَعَبْدَكَ، وَلَمْ أَعْلَمْ مَاذَا”.”  يبدو أن الكوشي كان علاقته بالملك داود أكثر ما يكون مع يوآب.  ولذلك لربما هذا الكوشي كان يعمل في البلاط الملكي في قصر الملك داود.  ولكن كان هناك ضرورة أن يكون الجميع في أرض المعركة والتي تُعتبر معركة حاسمة لبقاء مملكة داود.

ما علاقة سجود الكوشي للقائد يوآب: قد يرى البعض أن سجود الكوشي للقائد يوآب عند إرساله، أنّ الأمر له علاقة في أن الكوشي عبد لهذا القائد كما جاء في هذا النص وكما يكتب وليم مارش فيقول: أنّ هذا الكوشي من بلاد كوش وعبداً ليوآب.[3] إلا أن السجود ليس لها علاقة بالعبودية.  لقد جاء في (2صم 18: 21) “‏٢١وَقَالَ يُوآبُ لِكُوشِي: “اذْهَبْ وَأَخْبِرِ الْمَلِكَ بِمَا رَأَيْتَ”. فَسَجَدَ كُوشِي لِيُوآبَ وَرَكَضَ.” إلا أن جاء أيضاً في (2صم 18: 28) ” ‏٢٨فَنَادَى أَخِيمَعَصُ وَقَالَ لِلْمَلِكِ: “السَّلاَمُ”. وَسَجَدَ لِلْمَلِكِ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى الأَرْضِ…” يبدو أن الكوشي سجد ليوآب وأخمعيص بن صادوق الكاهن سجد أيضاً للملك داود.  ويمكن أن يستنتج أن السجود لا يعني أنّ الشخص عبدٌ للثاني بل، السجود علامة وطريقة التحية والسلام والأحترام فقط.  إذاً سجود الكوشي ليوآب كان تحية مثل ومثل سجود أخمعيص للملك كالتحية.  لقد جاء في (2صم 18: 21- 23؛ 31- 32) ذكر اسم كوش”ثمانية مرات” في هذا الأصحاح.  وهنا يمكن ملاحظة الوجود الكوشي المبكرّ في الجيش الداودي. تقريبا قبل 1000 سنة ق.م.  لأن سليمان ملك سنة 970 إلى 930 قبل الميلاد تقريباً.  ما يعني أن داود أبيه ملك قبل ذلك.

ثانياً: ظهور مجموعة كوشية وسط الجيش المصري بقيادة الملك شيشق ملك مصر

(2 أخ 12: 2- 9) “‏٢وَفِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ لِلْمَلِكِ رَحُبْعَامَ صَعِدَ شِيشَقُ مَلِكُ مِصْرَ عَلَى أُورُشَلِيمَ، لأَنَّهُمْ خَانُوا الرَّبَّ،‏٣بِأَلْفٍ وَمِئَتَيْ مَرْكَبَةٍ وَسِتِّينَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَلَمْ يَكُنْ عَدَدٌ لِلشَّعْبِ الَّذِينَ جَاءُوا مَعَهُ مِنْ مِصْرَ: لُوبِيِّينَ وَسُكِّيِّينَ وَكُوشِيِّينَ.‏٤وَأَخَذَ الْمُدُنَ الْحَصِينَةَ الَّتِي لِيَهُوذَا وَأَتَى إِلَى أُورُشَلِيمَ.‏٥فَجَاءَ شَمْعِيَا النَّبِيُّ إِلَى رَحُبْعَامَ وَرُؤَسَاءِ يَهُوذَا الَّذِينَ اجْتَمَعُوا فِي أُورُشَلِيمَ مِنْ وَجْهِ شِيشَقَ، وَقَالَ لَهُمْ: “هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: أَنْتُمْ تَرَكْتُمُونِي وَأَنَا أَيْضًا تَرَكْتُكُمْ لِيَدِ شِيشَقَ”.‏٦فَتَذَلَّلَ رُؤَسَاءُ إِسْرَائِيلَ وَالْمَلِكُ وَقَالُوا: “بَارٌّ هُوَ الرَّبُّ”.‏٧فَلَمَّا رَأَى الرَّبُّ أَنَّهُمْ تَذَلَّلُوا، كَانَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَى شَمْعِيَا قَائِلاً: “قَدْ تَذَلَّلُوا فَلاَ أُهْلِكُهُمْ بَلْ أُعْطِيهِمْ قَلِيلاً مِنَ النَّجَاةِ، وَلاَ يَنْصَبُّ غَضَبِي عَلَى أُورُشَلِيمَ بِيَدِ شِيشَقَ،‏٨لكِنَّهُمْ يَكُونُونَ لَهُ عَبِيدًا وَيَعْلَمُونَ خِدْمَتِي وَخِدْمَةَ مَمَالِكِ الأَرَاضِي”.‏٩فَصَعِدَ شِيشَقُ مَلِكُ مِصْرَ عَلَى أُورُشَلِيمَ وَأَخَذَ خَزَائِنَ بَيْتِ الرَّبِّ وَخَزَائِنَ بَيْتِ الْمَلِكِ، أَخَذَ الْجَمِيعَ، وَأَخَذَ أَتْرَاسَ الذَّهَبِ الَّتِي عَمِلَهَا سُلَيْمَانُ.”

الفكرة هنا هي أن عندما ملك رحبُعام بعد سليمان سار مع الرب في ثلاثة سنوات الأولى.  ثم بعد ذلك تقوّى عندما بنى خمسة عشر مدناً حصينة وإتّكل على قوته ولم يعود يخاف من مصر وعلى ذلك ترك الرب كما يكتب وليم مارش قائلاً: “أنّ رحبُعام سار مع الرب وكل اسرائيل في طريق داود وسليمان أبيه ثلاث سنوات.  ثم بعد ذلك تقوى وبنى خمسة عشر مدينة للحصار وجعل فيها رؤساء قوادٍ وخزائن وأتراس فلم يعود يخاف من مصر.  لأنه إتّكل على مدنه الحصينة وبذلك ترك الرب وكل إسرائيل معه أي بمعنى المملكة الشمالية والجنوبية أيضاً تركت الرب.[4]  وهذا التمرد على الله وإنقسام المملكة التي كان في عهد سليمان مملكة واحدة ثم إنقسم في نهاية حكم سليمان، وكل هذه الظروف جعلت من مصر تطمح في غزو إسرائيل.  ويبدو في تلك الفترة كان شيشق ملك مصر يرى فرصة ذهبية لغزو إسرائيل وإغتنام من هذه المملكة الغنية.  الأهم في هذا النص هو التعرُّف على المجموعات التي رافقت الملك شيشق إلى أورشليم.  والمجموعات هي لوبيِّين وسُكِّيِّين وكوشيِّين.

في هذا الجزء الثاني من ظهور الكوشيّين كمجموعة مع شيشق ملك مصر، الهدف هو التعرف على هذه المجموعة، ما إذا كان بالفعل مجموعة كوشية أي من أرض السودان أم لا.  لقد جاء في الأعداد الأولى من نفس النص أنّ صعيد شيشق إلى أورشليم بعدد كبير من الجيش والشعب الذين لا عدد لهم.  وضمن هذا الشعب كان هناك مجموعة ليبية وكوشية والثالثة تعرف بمجموعة السكِّيّين.  وهدف هؤلاء هو النهب في أورشليم.  وكما يكتب وليم مارش عن هؤلاء قائلاً: “لُوبيِّين من لوبيا أو ليبيا الواقعة إلى الشمال الغربي من مصر.  سُكِّيِّين المظنون أنهم سكنوا شط البحر الأحمر الغربي وفي الترجمة السبعينية ما يدل على أنهم سكنوا المغاور.  كُوشِيِّين أهل جنوبي مصر الساكنين في نويبا وسنار وكردفان وشمال الحبش.[5] وبحسب هذا الرأي كان جيش شيشق ضم كل من ليبيا ومصر والسودان.  ويبقى هنا مجموعة غير معروفة وهي مجموعة السُكّيِّين إلا أن يرى البعض أنّ السُكِّيِّين سكنوا غربي البحر الأحمر وقد يكون هذه المجموعة مصرية أو سودانية.  أولاً: بحسب هذا الرأي فإن الكوشيين هم سكان نوبيا (النوبة) وهذه المنطقة تقع في شمال السودان حالياً ومعروفة تاريخياً بالشعب النوبة وممالكها عبر التاريخ.  ثانياً: منطقة سنار هي ولاية من ولايات السودان وكانت في الماضي لها سلطنة سمية بسلطنة سنار وتقع هذه المنطقة على النيل الأزرق في السودان.  ثالثاً: منطقة كردفان تقع في الغرب الجنوبي في السودان وتنقسم اليوم إلى ولايتين شمال كردفان وجنوب كردفان وتشتهر ولاية جنوب كردفان اليوم باقليم جبال النوبة.  إذاً يمكن الاستنتاج أنّ المجموعة الكوشية والتي رافقة الملك شيشق إلى أورشليم ما بين عام 930 إلى 900 هي مجموعة سودانية من السودان الدولة الحالية.

دلائل تاريخية: لقد جاء اسم شيشنق في التوراة باسم شيشق.  ويعتقد أنه حكم مصر حوالي عام 950 إلى 929 ق.م.  ربما في عهد الملك سليمان حتى نهاية عهده.  إن فرعون مصر “شيشق” استقل الظروف في فلسطين بعد إنقسام المملكة وشن هجومه على أورشليم كما يكتب سليم حسن قائلاً: “في نهاية عهد “سليمان” عليه السلام كان “شيشق” فرعون مصر قد انتهز ما كان في بلاد اليهود من خلاف وتدابر وأغار على فلسطين حوالى عام 930 ق.م.  وإنتصر على العبرانيين إنتصاراً عظيماً.”[6]  ويقول أيضاً “أنّ حملة “شيشق” هذه كانت لها نتائج عظيمة، إذ قد انتشر بعدها النفوذ المصري ثانيةً في هذه الإصقاع الأسيوي، كما أنها عادت على خزانة مصر بالثراء العظيم،”.[7]  فيما يختص بالملك شيشق ملك مصر وحقيقة حملته ضد أورشليم يبدو من هذا الكاتب فإن شخصية حقيقية ذُكرت في الكتاب المقدس باسم شيشق وفي الكتب التاريخية كما جاء في موسوعة مصر القديمة فإنه شيشنق.  إن هذه الفترة هي الفترة التي ظهرت فيه المجموعات المختلفة في جيش شيشق من ليبيين وسُكيين وكوشيين.  وبهذا يكون ظهور الكوشي في جيش شيشق بعد ظهوره في مملكة داود.  في مملكة داود كان الكوشي بجانب الملك داود بينما في جيش شيشق كان الكوشيين ضد مملكة داود.  الظهور الأول كأفراد والظهور الثاني كمجموعة.

ثالثاً: كوشيين في قيادة الجيش المصري ضد ملك آسا ملك يهوذا

(2أخ 14: 9) “٩فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ زَارَحُ الْكُوشِيُّ بِجَيْشٍ أَلْفِ أَلْفٍ، وَبِمَرْكَبَاتٍ ثَلاَثِ مِئَةٍ، وَأَتَى إِلَى مَرِيشَةَ.  (2أخ 14: 12) ‏١٢فَضَرَبَ الرَّبُّ الْكُوشِيِّينَ أَمَامَ آسَا وَأَمَامَ يَهُوذَا، فَهَرَبَ الْكُوشِيُّونَ.”  (2 أخ 14: 13) “‏١٣وَطَرَدَهُمْ آسَا وَالشَّعْبُ الَّذِي مَعَهُ إِلَى جَرَارَ، وَسَقَطَ مِنَ الْكُوشِيِّينَ حَتَّى لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَيٌّ لأَنَّهُمُ انْكَسَرُوا أَمَامَ الرَّبِّ وَأَمَامَ جَيْشِهِ. فَحَمَلُوا غَنِيمَةً كَثِيرَةً جِدًّا.” (2 أخ 16: 8) “‏٨أَلَمْ يَكُنِ الْكُوشِيُّونَ وَاللُّوبِيُّونَ جَيْشًا كَثِيرًا بِمَرْكَبَاتٍ وَفُرْسَانٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا؟ فَمِنْ أَجْلِ أَنَّكَ اسْتَنَدْتَ عَلَى الرَّبِّ دَفَعَهُمْ لِيَدِكَ.”

شخصية زارح الكوشي

هنالك شخصية أُخرى ذكرها الكتاب المقدس ويدعى زارح الكوشي قبل ترهاقة ملك النوبة، وبحسب ما يذكره التاريخ كان زارح الكوشي قائداً لجيش مصر الفرعوني وفي زمن الفرعون المعروف بأوسركن الأول، والذي حارب ملك يهوذا آسا، ويذكر الكتاب بأن إنتصر عليه ملك يهوذا آسا بتدخّل الرب.[8]  ويقول جون ماك عن زارح الكوشي فيقول: قد نتج خطرٌ هائل في هذه المعركة التي قادها زارح الكوشي ضد مملكة يهوذا، وعن هذه المعركة ربما تم تكليف زارح من قبل الفرعون المصري الذي يحاول إستعادة السيطرة عام 901- 900 ق م.  كما فعل شيشق الذي حكم مصر أيّام رحبعام  وذلك عام 945- 924 ق م. هذا التاريخ مبكر قبل وصول الفراعنة السود في سدة السلطة في مصر ( 2أخ 12: 7- 9).[9]  أن المكانة الرفيعة التي تقلدها زارح الكوشي في قيادة الجيش الفرعوني ربما هذه إشارة قوية مهّدت للأسرة الكوشية الخامسة والعشرين التي كانت حاكمة في مصر.

وبحسب المصادر التاريخية فإن زارح أو ذراح الكوشي كما يفضل تسميته في الكتب التاريخية، إنّ الحملة التي قام بها زارح الكوشي ضد الملك آسا كان في عصر الملك “أوسركون” كما يكتب سليم حسن في هذا الخصوص فيقول: “ولا شك أنه بحساب سريع يمكن أن نبرهن على أنّ “آسا” و”ذراح” كانا معاصرين للملك “أوسركون” وذلك أن حملة الأثيوبيين التي وقعت حوالي 60 سنة بعد حملة “شيشنق الأول” تقع بطبيعة الحال في حكم “أوسركون الثاني” حوالي عام 835 ق.م.  وقد ظن المؤرخين أنّ “أوسركون” و “ذراح” هما شخص واحد”.[10]  وهنا يلاحظ أن “أوسركون الثاني” عاصر الملك آسا ملك يهوذا والذي حاربه زارح الكوشي أو الأثيوبي كما يفضل البعض.  إلّا أنّ البعض يرى أنّ زراح الكوشي هو “أوسركون الثاني ما أنه لا علاقة بهذا الاسم وذك كما يكتب سليم حسن وفيقول أيضاً في هذا الخصوص،

 ولكن الاسمين ليس بينهما وجه شبه قط ومع ذلك فمن الممكن أن المؤرخ الذي كتب هذا الحادث قد خلط اسم الفرعون باسم الأثيوبي ولكن يجوز أن “أوسركون” الثاني كان له بين حلفائه أو كبار رجاله الحربيين قائداً أثيوبياً وذلك لأن جيش “شيشنق الأول” على حسب قول العبرانيين كان يحتوي على عدد عظيم من الأجانب من اللوبيين والسيكيين والأثيوبيين.[11]

يمكن الإستنتاج أنّ زارح أو ذراح الكوشي هو كوشي الجنسية ولكنه كان قائداً في جيش الفرعون “أوسركون الثاني” فرعون مصر وذلك في عام 835 تقريباً وهذا التاريخ مبكّر قبل أن يتربى الكوشيين على عرش مصر.  ولكن ربما كل هذه الحوادث إبتداء من مجموعة كوشية في جيش شيشنق سابقاً بالإضافة لوجود القيادة الكوشية على قيادة الجيش المصري بداية حقيقية لتفكير الكوشيين في حكم مصر.

هل زراح الكوشي من بلاد العرب أم بلاد النوبة (كوش)

بخصوص المنطقة التي جرى فيها المعركة بين جيش الملك “آسا” وجيش “زارح الكوشي” يرى البعض أن المنطقة عربية وما تم نهبه بواسطة جيش “آسا” هي غنيمة العرب وبالتالي يكون زراح الكوشي هو قائد عربي كما يكتب انطونيوس فكري قائلاً: هناك مكانين يعرف بكوش أولاً: كوش في النوبة وإثيوبيا.  ثانياً: كوش شرق بلاد العرب.  ولكن زارح الكوشي هنا غالباً هو عربي والكوشيين في هذا النص هم من بلاد العرب ودخلوا أُورشليم بتأييد من مصر.  ولأن في تلك الفترة لم يسجل لنا تاريخ أن هناك ملك مصري غزا يعوذا، فيكون الأرجح زارح هنا هو من قبائل عربية والدليل في الغنيمة التي تم إغتنامها من غنماً وجمالاً وهذه ممتلكات العرب.[12]  هناك ضعف في هذا التفسير أذ يعتمد أولاً: على أنّ العرب هم مشهورون بتربية الأغنام والجمال وبالتالي ما تم سلبها من الغنيمة هي غنيمة للعرب.  ثانياً: وبهذا يجعل زراح الكوشي من سكان جرار. ثالثاً جعل هذا التفسير كل من زراح الكوشي والكوشيين قبائل عربية.  المشكلة هنا كبيرة في قبول هذا التفسير للأسباب الآتي:

أولاً: العرب ليس وحدهم من يمتلكون الأغنام والجمال. 

ثانياً: لم يُذكر في التاريخ العرب أن هناك قبائل عربية باسم الكوشيين. 

ثالثاً: الأغنام والجمال من أهل جرار بحسب ما جاء في نفس النص (2أخ 14: 14) “١٤وَضَرَبُوا جَمِيعَ الْمُدُنِ الَّتِي حَوْلَ جَرَارَ، لأَنَّ رُعْبَ الرَّبِّ كَانَ عَلَيْهِمْ، وَنَهَبُوا كُلَّ الْمُدُنِ لأَنَّهُ كَانَ فِيهَا نَهْبٌ كَثِيرٌ.” 

رابعاً: جرار هي تُخوم الكنعانيين والكنعانيين ليسوا بعربٍ.  وإذا كان هناك عرب بقرب الكنعانيين إلاّ أنّ ليسوا بكوشيين.  وإذا كان كذلك فهل اللوبيين أيضاً عربٌ. إذاً الأغنام لأهل كنعان (تك 10: 19) “١٩وَكَانَتْ تُخُومُ الْكَنْعَانِيِّ مِنْ صَيْدُونَ، حِينَمَا تَجِيءُ نَحْوَ جَرَارَ إِلَى غَزَّةَ، وَحِينَمَا تَجِيءُ نَحْوَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ وَأَدْمَةَ وَصَبُويِيمَ إِلَى لاَشَعَ.” 

خامساً: الصحيح هو أن زراح الكوشي أقام تحالفٍ مع هذه القبائل في فلسطين قبل الدخول في المعركة مع “آسا” وبالتالي، عندما إنهزم زارح إنهزم معه هذه القبائل الكنعانية وبالتالي إغتنم الملك “آسا” أغنامهم وجمالهم.  وعاد زراح إلى بلاده.

زراح الكوشي من إفريقيا: يرى هذا الرأي أنّ يقال أن هناك منطقة ما في العربية يطلق عليها اسم كوش ولكن يستحيل المرور من مصر لفلسطين وبالتالي يرى أنّ زارح الكوشي هنا هو من أفريقيا كما يكتب وليم مارش فيقول: أن هذا الاسم لا يوجد في الكتب التاريخية ولكن يظن البعض أنّ اسم كوش يُطلق على جهة ما في غرب البحر الأحمر وشرقه ايضاً  ويصعب لمن يأتي من شرق البحر الأحمر إلى مصر وبالتالي فلسطين، والأرجح كوش المشار إليه هنا هو في إفريقيا ويحتوي نوبيا وسنار وكردفان.[13]  الظاهر أن زراح الكوشي من نوبيا.  وقد تحالف مع قبائل إفريقية مثل لوبيين ومن ثم إتحد مع قبائل البادية أهل الرعاة من القبائل الكنعانية حول جرار.  يبدو هنا زارح الكوشي هو من أرض كوش ولكنه تحالف مع القبائل حول يهوذا.

بقلم/ هابيل شمسون

باحث في تاريخ السودان الكتابي


[1]  وليم مارش، السّنن القويم في تفسير أسفار العهد القديم: شرح سفر صموئيل الثاني. 47.

[2]  أنطونيوس فكري، تفسير سفر صموئيل الثاني. 72.

[3]  وليم مارش، السّنن القويم في تفسير أسفار العهد القديم: شرح سفر صموئيل الثاني. 47.

[4]  وليم مارش، السُّنن القويم في تفسير أسفار العهد القديم شرح سفر أخبار الأيّام الثاني. 11- 12.

[5]  وليم مارش، السُّنن القويم في تفسير أسفار العهد القديم شرح سفر أخبار الأيّام الثاني. 11- 12.

[6]  سليم حسن، موسوعة مصر القديمة الجزء التاسع. د-ه.

[7]  سليم حسن، موسوعة مصر القديمة الجزء التاسع. د-ه.

 رشاد شكري شرح سفر حزقيال، 230- 231.[8]

 ماك آرثر، تفسير الكتاب المقدس: فاندايك البستاني الجديدة، 734- 736.[9]

[10]  سليم حسن، موسوعة مصر القديمة. الجزء التاسع، 231- 33.

[11]  سليم حسن، موسوعة مصر القديمة. الجزء التاسع، 231- 33.

[12]  انطونيوس فكري، تفسير سفراخبار الأيّام الثاني. الاصدار الثاني، 26.

[13]  وليم مارش، الكتاب المقدس مع التفسير. [online] https://goo.gl/TMxlq0.

3 comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

By habil

مقالات