المقال الخامس: الجزء الثالث

مملكة “المقرة” تعتنق المسيحية وتدعم المذهب الخلقدوني

 بما أنّ الوفد الثاني وفد الامبراطور جوستنيان قد فشل في نشر مذهبه في مملكة نوباتيا، إلا أن الوفد عبر مملكة “نوباتيا” في شمال السودان إلى مملكة “المقرة” وعاصمتها دنقلة (دنقلة العجوز) والتي كانت في عداء مع مملكة نوباتيا.  وهذا يظهر في الوفد من المقرة الذي زار بيزنطة وأكّدوا قبولهم بالمسيحية كما يكتب رولاند ويرنر فيقول: “يخبرنا يوحنا الأفسسي أنه عند وصول إرسالية الإمبراطور إلى بلاد النوبة لم يستمع لها أحد.  وكان من المحتمل أن تعود إلى بيزنطة دون القيام بأي خدمات تبشيرية في بلاد النوبة، مما أدى إلى عبور الإرسالية من بلاد النوبة والإتجاه إلى مملكة المغرة.”[1] يبدو أن بسبب العداوة التي نشأت بين مملكة نوباتيا ومملكة المقرة ربما لم تقبل مملكة المقرة بالعقيدة اليعاقبة ولكن قبلت الوفد الثاني أصحاب العقيدة الخلقدونية وبذلك أصبحت المملكتين أعتنقت المذهبين كلٍ منها بمذهبٍ.

هناك شهادة أُخرى من كاتب آخر يدعى جون يبدو أنه شهد وفد أتى من مملكة المقرة إلى بيزنطة حاملين الهدايا من ملك مملكة المقرة وتقديم الشكر للإمبراطور جستن الثاني الذي تولى الحكم بعد الإمبراطور جوستنيان وأعلنوا قبولهم للمسيحية.  يبدو أن هذا الوفد ذهب إلى بيزنطة في سفرٍ طويلٍ حاملين معهم هدايا ثمينة من ملك مملكة المقرة والتي إتخذت دنقلة عاصمة لها.  برغم فشل وفد جوستنيان الإمبراطور إلا عبورهم إلى مملكة المغرة أتى بنتيجة وكما يكتب رولاند ويرنر في هذا الخصوص،

وقد سجل لنا جون في كتاباته أنه عندما كان في بيزنطة، وصل وفد من شعب المغرة يحملون الهدايا الثمينة مثل العاج وغيره … وكان بين الهدايا زرافة حية.  هذا الوفد جاء بأخبار للإمبراطور جستن الثاني (565- 578) تقول أن دولتهم قد دخلت مؤخراً في المسيحية.  وتقدم الوفد بالشكر للإمبراطور لأن بلاده اهتمت بضم المغرة إلى العالم المسيحي.  ويقول جون أنه من المحتمل جداً أن يكون هذا الوفد المسيحي الذي جاء من دولة مسيحية تم تجديدها لعمل الإرسالية المرسلة من الإمبراطور جستينيان.  والتي فشلت في أن تبشر في نوباطيا، فعبرت إلى المغرة.[2]

إذاً بحسب الكاتب جون كما يكتب رولاند ويرنر، فإن رغم فشل الوفد الثاني لنشر المذهب الخلقدوني إلى مملكة نوباتيا، إلا قد يكون الوفد عبر إلى مملكة المقرة وبالتالي، أعتنق المقرة المسيحية وإن كان متاخراً.  ويمكن الإستنتاج الآتي:  أولاً، تم نشر المسيحية المذهب اليعقوبي بلاد النوبة وتحديداً مملكة نوباتيا وذلك عام 543 ب.م.  ثانياً، بعد فشل الوفد الثاني في مملكة نوباتيا، إتجه إلى المقرة ونشر مؤخراً المسيحية هناك وخصوصاً المذهب الخلقدوني وذلك حتى ما بين (565- 578 ب.م).  ثالثاً، بهذا يكون قد تم نشر المسيحية (المذاهب) في مملكتين في بلاد النوبة وتبقى مملكة واحدة وهي مملكة علوة وعاصمتها سوبا.  إنّ التاريخ الفعلي لإنتشار المسيحية بلاد النوبة لا يعنى بداية دخول المسيحية بلاد النوبة إنما بداية نحو أعلان بلاد النوبة بلاداً مسيحياً حُكّاماً وشعباً.

قبائل القرعان تعتنق المسيحية المذهب الخلقدوني: نادراً ما يذكر المؤرخين أسماء قبائل التي أعتنقت المسيحية أنذاك ولكن المثير للانتباه أن المؤرخ فانتيني يذكر أن قبيلة القرعان كانت ضمن المجموعة التي أعتنقت المسيحية من خلال مملكة المقرة.   وهذا يضع قبيلة القرعان من أقدم القبائل التي أعتنقت المسيحية المذهب الخلقدوني وذلك في القرن الخامس الميلادي كما يكتب ج. فانتيني عن قبيلة القرعان فيقول: “سنة 568 قصد مدينة القسطنطينية وفد من قبائل القرعان وطلبوا إلى الامبراطور البيزنطي عقد معاهدة معه سائلين أن يتعلموا مبادئ الديانة المسيحية حسب معتقدات الامبراطور المذكور، فوافق على طلبهم”.[3]  ذكر قبيلة القرعان على أنهم أهل قرامنتس أي أهل واحات الجرمة وهذا كان اسم لمجموعة القرعان قديماً والذين كانوا يسكنون غربي مملكة المُقرة أي غربي مدينة دنقلا.  إلى هنا يبدو واضحاً أنّ مملكة نوباتيا أعتنقت المسيحية المذهب اليعقوبي بينما مملكة المُقرة أعتنقت المسيحية المذهب الخلقدوني وتبقى مملكة علوة في الجنوب وعاصمتها سوبا.

بقلم/ هابيل شمسون

باحث في تاريخ السودان الكتابي


[1]  رولاند برونر، آخرون، يوم الدمار ويوم الأمان. زكري رزق جيد، 30- 37.

[2]  رولاند برونر، آخرون، يوم الدمار ويوم الأمان. زكري رزق جيد، 30- 33.

[3] ج. فانتيني، تاريخ المسيحية في الممالك النوبية القديمة والسودان الحديث. 48- 49.

Add comment

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

By habil

مقالات