المقال الرابع: الجزء الأول

نظرة مغايرة لإتفاقية البقط

لقد إنطبع في أذهان السودانيين صورة سيئة عن ما تعرض له أجدادهم فترة الفتوحات  العربية الإسلامية.  وخصوصاً عندما يتذكّرون ما عرفوه عبر التاريخ عن الإتفاقية التي سُمّيت بإتفاقية البقط.  الإتفاقية التي يبدو بإنها كانت عار لأجدادهم في المملكة النوبية المسيحية.  بينما كانت في نظر الغزاة العرب إنتصار على بلاد النوبة البلاد التي لم يتمكّنوا من فتحها بالقوة.  صحيح لا يمكن أعتبار إتفاقية البقط إلا وإنها ذاكرة سيئة في تاريخ السودان ولكن ليس كما يُعتقد.  ماذا كان ينبغي على المملكة النوبية المسيحية فعله في ظل سقوط كل البلدان في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحت الغزاة العرب.  في ظل إستسلام العراق الأشورية وسوريا السريانية  وفلسطين الكنعانية والأردن العمانية المؤآبية إلى دولٍ عربية إسلامية.  في ظل أستسلام كل من دولة ليبيا الفوطية الإفريقية وتونس والمغرب والجزائر الأمازيقية الإفريقية وتحوّلها إلى دولٍ عربية إسلامية.  زيد على ذلك الدول العربية الأصيلة (دول الخليج).  لقد أصبحت كل هذه البلدان جيشاً واحداً تحت الإمارة الإسلامية.  يجب الأعتراف بأن كان هناك قوة كبيرة لا يستهان بها أبداً وهي الخلافة الإسلامية، ولكن يجب الأعتراف أيضاً أنّ هناك قوة عظيمة وقفت في وجه هذه الخلافة فترة 700 سنة وهي المملكة النوبية المسيحية. 

برغم هذه الظروف كانت بلاد النوبة المسيحية وعاصمتها “مقرة”، محاطة بهذه الجيوش الكبيرة ومن كل جهات.  دول الخليج من جهة ودول الشرق الأوسط من جهة أُخرى، ثم دول شمال إفريقيا.  ورُغم كل هذا لم تتمكن هذه الجيوش العربية الإسلامية فتح بلاد النوبة إلا أن وقّعت “هدنة” بين الجيشين العربي والنوبي.  ولكن هذه الهدنة وقُعت بعد أن عرف العرب أن لا يمكنهم فتح بلاد النوبة المسيحية.  في هذه الهدنة يرى الأغلبية إنها إنتصار للجيوش العربية وهزيمة لبلاد النوبة.  إنّ هذه النظرة ناتجة عن سوء فهم لحقيقة النص المعلن والنص الشفهي الغير معلن في إتفاقية البقط.  إنّ عدم معرفة بحقيقة الجزء الثاني من النص الشفهي هو ما يجعل نظرة العالم لإتفاقية البقط وكأن هي هزيمة للمملكة النوبية.  يمكن ملاحظة هذه النظرة من خلال التعريف لكلمة “البقط”.  

تعريف لمصطلح “البقط”

يصف البقط بأنه ما يدفعه النوبة أو ما يُقبض من رقيق النوبة كما يكتب تقي الدين المقريزي فيقول: “البقط ما يقبض من سبي النوبة في كل عام، ويحمل إلى مصر ضريبة عليهم.  فإن كانت هذه الكلمة عربية، فهي إما من قولهم: في الأرض بقط من بقل وعشب، نبذ من مرعي، فيكون معناه على هذا نبذة من المال، أو يكون من قولهم إن في بني تميم بقطاً من ربيعة أي فرقة أو قطعة من المال أو قطعة منه.  ومنه بقط الأرض فرقة منها، وبقط الشيء فرّقه.  والبقط أن تعطي الحبة على الثلث أو الربح.  والبقط أيضاً ما سقط من الثمر إذا قطع فأخطأ المخرف، فيكون معناه على هذا بعض ما في أيدي النوبة.”[1]  يبدو من خلال هذا التعريف فالبقط هو ما يدفعه كل طرف من الأطراف سواء كان مال أو قطع أو بقل كما سبي من النوبة.  ولكن جاء في هذا التعريف أنّ البقط هو، ما يُقبط من سبي النوبة وأيضاً هو ما في أيدي النوبة دون ذكر ما يُقبض من غلال (حبوب) المسلمين ودون ما يُقبض ما في أيدي المسلمين وكأن النوبة هم فقط من يدفعون في هذه الإتفاقية.  نعم إنّ من ينظر إلى نص الإتفاقية التي قُرأ للنوبة أو النص المكتوب، لا يرى ما يدفعونه المسلمون للنوبة بل يرى فقط ما يدفعونه النوبة للمسلمين.  يجب أن يُنظر لإتفاقية البقط في كل جوانبها أي لمعرفة الحقيقة “بنظرة مغايرة لإتفاقية البقط” أي يجب أن يُنظر لإتفاقية البقط بين النوبة والمسلمين على إنها إتفاقية تبادل المصالح وإن كان هناك طرف متضرر في هذه الإتفاقية.

هدنة وإتفاقية البقظ: يبدو أن هذا النص هو نص الإتفاقية الثانية بعد نقض النوبة العهد وبعد وفاة عمرو بن العاص كما يكتب عبد الله حسين فيقول: إنّ الفتح الاسلامي لمصر كان في العام 18 هجري و640 ميلادي. وكان أول إثفاقية البقط بين عمرو بن العاص من جهة وملك النوبة من جهة أُخرى وذلك سنة 20 هجرية و642 ميلادية.  إلّا أن بعد وفاة عمرو بن العاص، نقض النوبة الإتفاقية وتم إعادتها مرة ثانية مع عبد الله بن سعد ابن أبي سرح الذي كان على الإمارة الإسلامية في مصر في عهد الخليفة عثمان وذلك في سنة 31 هجرية و653 ميلادية.[2]  أولاً، أنّ ما يتم عرضه من نص إتفاقية البقط هنا هو، حسب رواية تقي الدين المقريزي.  بمعنى الحديث ليس عن النص الأصلي بل حسب المؤرخ وجاء هذا النص على النحو التالي:

نص إتفاقية البقط

“عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته، عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حد أرض أسوان إلى حد أرض علوة: أن عبد الله بن سعد جعل لهم أماناً وهدنة جارية بينهم وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر وغيرهم من المسلمين وأهل الذمة.  “إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبي صلى الله عليه وسلّم ألا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً، ولا نغزوكم، ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم.  “على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه.  “وعليكم حفظ من نزل بلدكم أو بطرقه من مسلم أو معاهد حتى يخرج عنكم.  وإن عليكم رد كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين حتى تردوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه، ولا تمنعوا منه، ولا تتعرضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه.  “وعليكم حفظ المسجد الذي ابنتاه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكرمته.  “وعليكم في كل سنة ثلثمائة وستون رأساً تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ وهرم ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم.. تفعون ذلك إلى والي أسوان.  “وليس على مسلم دفع عدو عرض لكم، ولا منعه عنكم من حد أرض علوة إلى أرض أسوان.  “فإن أنتم آويتم عبداً لمسلم، أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم، أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستون رأساً، فقد رئت منكم هذه الهدنة والأمان، وعدنا نحن وأنتم على سواء، حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.  “علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمته وذمةُ رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمة المسيح وذمة الحواريين وذمة من تعظمونه من أهل دينكم وملكتكم، الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك.. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين”.[3]

يبدو من هذا النص نص إتفاقية البقط، أنّ ما ذُكر هو ما يجب أن يدفعه النوبة للمسلمين وهو، “ثلثمائة وستون رأساً من الرقيق.  ولم يُذكر ما يجب أن يدفعه المسلمون للنوبة.  إن هذا النص وبهذه الصورة يُعطي الحق للمؤرّخ ان يقول أن في هذه الإتفاقية، البقط هو ما يدفعه النوبة أو ما يُقبض من سبي النوبة.  ولكن السؤال هو، هل كان النوبة يدفعون الرقيق دون مقابل؟  هذا ما ستجيب عليه هذه الدراسة ومن خلال شهادات من مختلف شخصيّات الذين عاصروا تنفيذ العهد.

ما أُخفيّ من الإتفاقية

في هذا الإتفاق ذُكر ما يجب أن يدفعه النوبة للمسلمين، ولم يُذكر ما يجب أن يدفعه المسلمون للنوبة.  يبدو واضحاً من بعض المؤرخين أن هناك وعد من المسلمين بدفع للنوبة ما يحتاجونه من طعامٍ مقابل ما يدفعونه للمسلمين كما يكتب تقي الدين المقريزي فيقول: “وقال البلاذري في كتاب “الفتوحات”: إن المقرر على النوبة أربعمائة رأس يأخذون بها طعاماً (أي غلة)، وألزمهم أمير المؤمنين المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور ثلثمائة وستين رأساً وزرافة.”[4]  لم يُظهر نص إتفاقية البقط المعلن، كل ما كان يتم التبادل به بين النوبة والمسلمين وهذا أمر معتاد.  لأن كما أن الملوك لا يكتبون عن هزائمهم هكذا لم يكتب عبد الله بن سعد بن أبي سرح عن ما يدفعه للنوبة مقابل الرقيق في النص المكتوب.  ولكن هناك شواهد كثيرة كما يكتب تقي الدين المقريزي فيقول: أن عبد الله بن سعد بعث للنوبة بما وعدهم به من الحبوب: قمحاً وشعيراً وعدساً، وثياباً وخيلاً.  ثم صار هذا الوعد أو العهد حيز التنفيذ مقابل ما يدفعه النوبة للمسلمين.  وفي هذا الصدد يكتب تقي الدين المقريزي أيضاً في هذا الخصوص،

 وعن أبي خليفة حميد بن هشام البحتري أن الذي صولح عليه النوبة ثلاثمائة وستون رأساً لفئ المسلمين، ولصاحب مصر أربعون راساً، ويدفع إليهم ألف أردب قمحاً، ولرسله ثلاثمائة إردب، ومن الشعير كذلك، ومن الخمر ألف أقتيز، للمتملك ولرسله ثلاثمائة اقتيز، وفرسين من نتاج خيل الإمارة، ومن أصناف الثياب مائة ثوب، ومن القباطي أربعة أثواب للمتملك، ولرسله ثلاثة، ومن البقطرية ثمانية أثواب، ومن المعلمة خمسة أثواب، وجبه مجملة للملك، ومن قميص أبي بقطر عشرة أثواب، ومن أحاص عشرة أثواب، وهي ثياب غلاظ.[5]

من الملاحظ هنا أنّ هناك كمية كبيرة من ما يدفعونه المسلمون للنوبة أو لمسيحيي النوبة مقابل ما يدفعونه للمسلمين من الرقيق.   إن ما يدفعونه المسلمون للنوبة كان كميات كبيرة من القمح والشعير والعدس والخمر والخيول ومن ثم أنواع مختلفة من الثياب.  ذُكر ألف وستون أردب من القمح وكذلك الشعير. قد يساوي الاردب الواحد جوالين وبهذا يكون كل من القمح والشعير كان أكثر من ثلاثة ألف أردب بمعنى أكثر من ستة ألف جوال من القمح والسعير.  والخمر ألف وثلاثمائة اقتيز بالإضافة إلى العدس والخيول ومختلف الثياب.  هذا يتم دفعه من قبل المسلمين سنوياً مقابل دفع بلاد النوبة رقيقٌ لهم. 

لم يتضمن كل هذا في النص المكتوب ولكن كان يتم هذا التبادل واقعياً.  هناك أعترافات أكثر صدقاً من المعتصم أمير إمارة بغداد في قوله عن ما كان يدفعه المسلمون للنوبة، كان أكثر من ما يدفعونه النوبة للمسلمين كما يكتب أيضاً تقي الدين المقريزي فيقول: “ونظر المعتصم إلى ما كان يدفعه المسلمون فوجده أكثر من البقط، وأنكر عطية الخمر وأجرى الحبوب والثياب التي تقدم ذكره، وقرر دفع البقط بعد إنقضاء كل ثلاث سنين، وكتب لهم كتاباً بذلك بقى في يد النوبة.”[6] يبدو واضحاً أن المملكة النوبية المسيحية لم تكن ضعيفةً كما يظن الناس من خلال هذه الإتفاقية.  لأن في هذه الفترات التي يسري فيها التعهد كان هناك معارك تتم بين الحين والآخر.  أحياناً النوبيون يهاجمون الإمارة في مصر وفي أحيان أُخرى المسلمون يهاجمون على النوبة.  وهناك أمثلة كثيرة عن المعارك التي كانت المملكة النوبية تقودها لتحرير شخصيات خارج المملكة.  يبدو واضحاً أنّ ما أدركه المعتصم، يوضح حجم البقط الذي كان يدفعه المسلمون للنوبة.  وبناءاً على هذه المعطيات فإنّ الكاتب الحالي يرى أنّ البقط ليس هو ما يدفعه النوبة للمسلمين فقط كما جاء في تعريف تقي الدين المقريزي، بل “البقط” هو  “كل ما تدفعه المملكة النوبية للمسلمين وكل ما يدفعه المسلمين للمملكة النوبية”.  بمعنى آخر إنّ مصطلح البقط غير محصور فيما يدفعه النوبة فقط بل، بما يدفعه كلي الطرفين.

جدول يوضح ما بُني عليه الصلح بين الطرفين

الرقمالعربالنوبةملاحظة
1على العرب أن لا يهاجم النوبة  على النوبة أن لا  تهاجم مصر. 
2على مواطني البلدين حرية التجارة والسفر بين البلدين، ويحق لهم المرور بأمان من دولة لأخرى.  على مواطني البلدين حرية التجارة والسفر بين البلدين، ويحق لهم المرور بأمان من دولة لأخرى.   
3منع الهجرة والإقامة لمواطني الدولتين في أراضي الدولة الأخرى.  منع الهجرة والإقامة لمواطني الدولتين في أراضي الدولة الأخرى.   
4على كل دولة تسليم المارقين من الدولة الأخرى إليها.  على كل دولة تسليم المارقين من الدولة الأخرى إليها.   
5 على النوبة مسؤولة الحفاظ على مسجد والمسلمين في بلاد النوبة   
6المسلمون غير ملتزمين بحماية النوبة من الهجمات من قبل أطراف ثالثة.    
7على العرب دفع للنوبة، ألف أردب قمحاً ولرسله ثلاثمائة إردب قمحاً ومن الشعير كذلك4-       ومن الخمر ألف أقتيز، للمتملك ولرسله ثلاثمائة اقتيز وفرسين من نتاج خيل الإمارة ومن أصناف الثياب مائة ثوبومن القباطي أربعة أثواب للمتملك ولرسله ثلاثة ومن البقطرية ثمانية أثواب ومن المعلمة خمسة أثواب وجبه مجملة للملك ومن قميص أبي بقطر عشرة أثواب ومن أحاص عشرة أثواب، وهي ثياب غلاظ.[7]  على النوبة دفع 360 سبي بالإضافة إلى 40 رقيق أُخر 
8   

وفد النوبة إلى العباسي في بغداد

في عام 830، غرقت مصر في فتنة خلاف الأمين والمأمون، فامتنع الملك زكريا الثالث ملك المقرة عن دفع ما ألزمته به المعاهدة. وعندما هدأت الثورة، أرسل والي مصر رسوله إلى المقرة طلبًا لإستئناف المعاهدة، ودفع المتأخرات، وبسبب عدم قدرة زكريا على دفع ذلك مرة واحدة.  كان أمير النوبة إبن زكريا يخطط لشن حرب ضد الخلافة الإسلامية.  إلا أنّ والده الملك زكريا كان له حنكته الدبلوماسية إذ أرسل ابنه ووريثه جيورجيوس في رحلة طويلة إلى بغداد عام 835، للتفاوض مباشرة مع الخليفة المعتصم العباسي. لقد حققت هذه الرحلة نجاحًا كبيرًا، وألغيت المتأخرات وتم تعديل المعاهدة بحيث لا تلتزم المقرة سوى بالدفع كل ثلاث سنوات.[8]

وعلى صعيد الموضوع نفسه لقد سأل الملك زكريا إبنه فيرقي عن ماذا ينوي فعله فقال محاربة العرب ولكن أبوه الذي هو الملك زكريا وجهه لمقابلة المعتصم في بغداد لأختبار ما مدى قوة جيش الخلافة كما يكتب تقي الدين القريزي فيقول: “قال أبوه: هذا شيء رآه السلف من آبائنا صواباً، وأخشى أن يفضى هذا الأمر إليك فتقدم على محاربة المسلمين.  غير أني أوجهك إلى ملكهم رسولاً، فأنت ترى حالنا وحالهم، فإن رأيت لنا بهم طاقة حاربناهم على خبرة، وإلا سألته الإجسان إلينا.”[9]  على هذا يبدو أن كان هناك خياران أمام المملكة النوبية إما شن حرب أو السعي لحلٍ عن طريق الدبلوماسية وهذا ما تم وربحت المملكة النوبية في إلغاء المعاهدة السنوية إلى كل ثلاث سنوات.  وكان هذا ليس لصالح النوبة فقط بل أيضاً كان لصالح المعتصم حيث يخفف له دفع كمية كبيرة الحبوب للنوبة كل عام.  وهذا كان عبء ثقيل على المصريين. 

إتفاقية البقط هو، إتفاق تجاري

يقال أنّ كلمة البقط مشتقة من الأصل اللاتيني وهي Pactum  والتي ترجمت إلى اليونانية بكلمة “πάκτουμ” وتعني “إتفاق”.  إن الاتفاق عادةً يتم بين طرفين وليس بالضرورة أن يكون هناك طرفٌ مستسلم.  يصوّر إتفاقية البقط بأنه إستسلام الدولة النوبية أمام الخلافة الإسلامية.  ولكن الأمر لم يكن كذلك كما يكتب رولاند فيقول: “الهدنة التي تم الاتفاق عليها بين العرب والنوبة كانت حدثاً جديداً بالنسبة للشريعة الإسلامية، مما أدى إلى مناقشتها مراراً وتكراراً في المدارس النظامية خلال قرون عديدة لاحقة.  ففي البداية اتتفق الطرفان على وقف لإطلاق النار، ثم تعدّل الاتفاق إلى معاهدة دائمة بعدم الإعتداء بين الطرفين.  هذه المعاهدة الفريدة من نوعها سميت باتفاقية البقط.”[10]  ويقول أيضاً في هذا الصدد، أنّ تلك الإتفاقية إشتملت على التبادل التجاري بين البلدين وذلك لصالح الطرفين العربي والنوبي.  لقد عرف من خلال المؤرخين حجم التجارة التي كانت تتم بين الدولتين.  ويبدو أن كل دولة كانت بحاجة لسلعة معيّنة حيث تمد النوبة بالعرب أنواع من الإنتاج الإفريقي مقابل أن يمد المسلمين النوبة بالحبوب مثل القمح والعدس والشعير وغيرها من المنتوجات في منطقة القصر.  لقد أصبح القصر مركزاً تجارياً بين الدولة النوبية والخلافة الإسلامية.

هل كان النوبة يدفعون البقط من أبناءهم؟

إنّ الرأي الشعبي السائد يعتقد الناس أنّ ما كان يدفعه النوبة في هذه الإتفاقية، هو أباءهم.  ومن هنا تبدأ النظرة الكئيبة لهذه الإتفاقية ولكن ليس هناك دلائل كافية ومؤكدة أنّ النوبة كان يدفون من أبنائهم بل ما كان يدفعونه النوبة للعرب في هذه الإتفاقية كان “أسرى الحرب” أي الذين كانت الدولة النوبية تأسرهم في حربهم مع الدول المجاورة كما يكتب رولاند في كتابه (يوم الدمار ويوم الأمان: تاريخ الكنيسة السودانية فيقول: “كان النوبيون يجمعون الرقيق من أسرى الحرب الذين سقطوا في أيديهم في المعارك والحروب مع الدول المجاورة.”[11] كما أنّ كان للنوبة أهمية كبيرة في هذه الإتفاقية لكي يحصلوا على الحبوب وغيره من مصر ويكون لهم فرصة زيارة الأماكن الدينية من الأديرة في مصر وأورشليم والتواصل مع العالم المسيحي.  رأى نعيم شقير أيضاً أنّ ما كان يدفعه النوبة للمسلمين كان “سبي” كما يكتب فيقول: قال المسعودي في كلامه عن إتفاقية البقط: أنّ كان على النوبة دفع ثلامائة وخمسة وستون رأساً من من “السبي” وعدد أربعون رأساً من “السبي” وحين قبض حاكم اسوان من النوبة، كان أثناء عشر رأساً من “السبي”.[12]  كما قال تقي الدين المقريزي في تعريفه للبقط، أنّ البقط هو “سبي النوبة” أي ما كان النوبة يأسرهم في الحرب وكان ثلاثمائة وستون رقيقاً.[13]  بناءاً على هذه المعطيات فإنّ النوبة كان يدفعون للعرب رقيقاً أي  سبيهم الذين يسقطون في أيديهم من خلال الحروب التي يقودونها ضد الدول المجاورة لهم.  إنّ أستعداد المملكة لشن حرب بحجة رفض الإتفاقية، يُظهر سيادتها وإنها غير مُرغمٌ على الإتفاقية.   

الاستنتاج

بناءاً على ما جاء في هذه الإتفاقية “إتفاقية البقط”، يمكن إستنتاج الآتي:

أولاً: قيل أنّ البقط هو بقطٌ من بقل أو عشب من الأرض.  وقيل أنّ في بني تميم بقطاً من ربيعة أي فرقة من المال أو قطعة منه.  ما يعنى أن كان هناك بقطٌ بين بني تميم وربيهة.  إنّ فرقة أو قطعة هي جزء من شيء.  وبهذا المعنى فإن النوبة كان يدفعونه جزء من الرقيق للمسلمين، كما يدفعون المسلمين جزء من الحبوب وغيرها للنوبة.  يبدو من خلال مصطلح “البقط” فإنّ البقط هو ما يدفعه كلي الطرفين، الدولة النوبية والخلافة الإسلامية.

ثانياً: إنّ ما جاء في النص المكتوب من إتفاقية البقط، تضمن ما يجب دفعه النوبة للمسلمين فقط ولم يتضمّن ما يجب للمسلمين دفعه للنوبة.  ولكن يبدو أنّ كان هناك ما يدفعه المسلمون العرب أيضاً للنوبة مقابل ذلك.

ثالثاً: يبدو واضحاً فيما قاله البلاذري في كتاب “الفتوحات” أنّ المقرر للنوبة دفعه هو، أربعمائة رأساً يأخذون بها طعاماً (أي غلة).  إذاً يدفعون مقابل الأخذ.  لقد وضح أبي خليفة حميد بن هشام البحتري، أنّ ما صُولح عليه النوبة هو، ثلاثمائة وستون رأساً لفئ المسلمين ويدفع إليهم أي للنوبة “ألف أردب قمحاً ولرسله ثلاثمائة إردب ومن الشعير كذلك ثم ذكر كميات كبيرة من الخمور والثياب مما يعني أن هذه الإتفاقية كانت بمثابة هدنة أو صلح فيها يلتزم كل طرف بما يجب دفعه للآخر حسب ما يرتضيه في الإتفاقية.

رابعاً: يبدو واضحاً في خسارة المسلمين من هذا الإتفاق مما جعل المعتصم أمير إمارة بغداد يوافق على تعديل في الإتفاقية من التبادل السنوي إلى كل ثلاث سنوات.  بناءاً على كل هذه المعطيات، يرى الكاتب الحالي بأنّ يجب أن يُنظر إلى إتفاقية البقط بنظرة مغايرة.  ليست على أنها هزيمة من طرف وإنتصار لطرفٍ آخر، بل على إنها تبادل تجاري وتبادل المصالح بين الدولتين كل منها ذات سيادة. 

  بقلم/ هابيل شمسون


[1] تقي الدين أحمد بن على المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار: المعروف بالخطط المقريزية. تحقيق محمد زينهم، مديحة الشرقاوي. 560- 566.

[2] عبد الله حسين، السودان من التاريخخ القديم إلى رحلة البعثة المصرية. الجزء الأول.  37.

[3] تقي الدين  المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار: المعروف بالخطط المقريزية. تحقيق محمد زينهم، مديحة الشرقاوي. 560- 561.

[4] تقي الدين المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار: المعروف بالخطط المقريزية. تحقيق محمد زينهم، مديحة الشرقاوي. 564

[5] تقي الدين المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار: المعروف بالخطط المقريزية. تحقيق محمد زينهم، مديحة الشرقاوي. 562.

[6] تقي الدين المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار: المعروف بالخطط المقريزية. تحقيق محمد زينهم، مديحة الشرقاوي. 564

[7] تقي الدين المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار: المعروف بالخطط المقريزية. تحقيق محمد زينهم، مديحة الشرقاوي. 562.

[8] https://ar.wikipedia.org/wiki/

[9] تقي الدين المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار: المعروف بالخطط المقريزية. تحقيق محمد زينهم، مديحة الشرقاوي. 563.

[10] ويرنر، رولاند وآخرون. يوم الدمار ويم الأمان: تاريخ الكنيسة السودانية على مدى 2000 سنة. ترجمة زكري رزق جيد. 48- 49.

[11] ويرنر، رولاند وآخرون. يوم الدمار ويم الأمان: تاريخ الكنيسة السودانية على مدى 2000 سنة. ترجمة زكري رزق جيد. 48- 49.

[12] نعوم شقير.  تاريخ السودان. تحقيق محمد ابراهيم أبو سليم. طبعة جديدة. بيروت: دار الجيل، 1981.

[13] تقي الدين  المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار: المعروف بالخطط المقريزية. تحقيق محمد زينهم، مديحة الشرقاوي. 560- 561.

1 comment

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

By habil

مقالات