ذكر ملوك كوش في الكتاب المقدس
بما أن الكتاب المقدس لم يذكر ملوك كوش كثيراً، إلا أن هناك إشارات إذا تم دراستها مع الكتب التاريخية والتتبع لتاريخ سيظهر بوضوح أن هناك ملوك وفراعنة كوشية تربى على عرش مصر والسودان. ولكن هنا سوف يتم دراسة بعض النصوص الخاصة بالملك “سوا” ملك مصر بأعتباره ملك وفرعون كوشي على مصر والسودان رغم أن عليه آراء كثيرة. ثم أيضاً دراسة نصوص خاصة تتحدث عن الملك ترهاقة ملك كوش. ويبدو أنّ ترهاقة هو فرعون مصر والسودان ايضاً وذلك حسب ما جاء في النصوص الآتية: (2مل 17: 1- 4، 2مل 19:9؛ إش 37: 9).
أولاً: الملك “سوا” ملك مصر كما جاء في (2مل 17: 4)، هو الملك شباكا الكوشي ملك مصر والسودان
(2مل 17: 1- 4) ” ١فِي السَّنَةِ الثَّانِيةَ عَشَرَةَ لآحَازَ مَلِكِ يَهُوذَا، مَلَكَ هُوشَعُ بْنُ أَيْلَةَ فِي السَّامِرَةِ عَلَى إِسْرَائِيلَ تِسْعَ سِنِينَ.٢وَعَمِلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، وَلكِنْ لَيْسَ كَمُلُوكِ إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُ.٣وَصَعِدَ عَلَيْهِ شَلْمَنْأَسَرُ مَلِكُ أَشُّورَ، فَصَارَ لَهُ هُوشَعُ عَبْدًا وَدَفَعَ لَهُ جِزْيَةً.٤وَوَجَدَ مَلِكُ أَشُّورَ فِي هُوشَعَ خِيَانَةً، لأَنَّهُ أَرْسَلَ رُسُلاً إِلَى سَوَا مَلِكِ مِصْرَ، وَلَمْ يُؤَدِّ جِزْيَةً إِلَى مَلِكِ أَشُّورَ حَسَبَ كُلِّ سَنَةٍ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ مَلِكُ أَشُّورَ وَأَوْثَقَهُ فِي السِّجْنِ.”
يبدو في هذا النص أن هناك خيانة من قبل الملك هوشع بن أيلة ملك إسرائيل ضد شلمناسرُ ملك أشّور، وذلك في أيّام ملك آحاز ملك يهوذا. والخيانة هي أن الملك هوشع بدأ يرسل رسله إلى سوا ملك مصر بحثاً عن تحالفه معه ضد ملك أشّور. ولذلك إبتدأ برفض دفع الجزئية السنوية لملك أشّور. ولكن هنا قد لا يظهر جليّاً أن سوا هو ملك كوشي لأن ذُكر بأنه ملك مصر. ولكن بالرجوع إلى تاريخ حكم الملك آحاز وإبنه حِزقيّا ملك يهوذا تاريخه يرجع ما بين 701 إلى 664 ق.م. مما يعني أنَّ الملك سوا كان في عهد الفراعنة السود على مصر. وهناك أراء مختلفة حول هذا النص كما جاء على النحو التالي:
الرأي الأول: يرى البعض أنّ الملك سوا ملك مصر والمذكور في (2مل 17: 4) هو الملك أوسر كون ملك مصر كما يكتب جون ماك آرثر فيقول: “سوا ملك مصر. حاول هوشع أن يعمل معاهدة مع أوسور كون الرابع (حوالي 727- 716 ق.م) ملك مصر، بدلاً من دفع الجزية السنويّة التي يدين بها لأشور باعتباره تابعاً لها. وهذه كانت حماقة كبرى لأن أشور كانت قويّة. كما أيضاً ضد إرادة الله التي حظرت أحلافاً كهذه مع حُكّام وثنيِّين”.[1] وبهذا الرأي يضع الملك أوسر كون في فترة ملوك وفراعنة الأُسرة الخامسة والعشرون الكوشية. وهذه الفترة لا تدعمها الكتب التاريخية بأن هناك ملك مصري حكم في فترة الفراعنة السود أبداً وبالتالي هذا الرأي غير دقيق.
الرأي الثاني: بحسب ما جاء في (2مل 17: 1- 4) يرى هذا الرأي أنّ هوشع خضع لملك أشّور تغلث فلاسر وكان يدفع له الجزية السنوية. ولكن جاء الملك شلمناسر خلفاً لتغلث فلاسر، وغيّر الملك هوشع ملك إسرائيل سياسته إذا رفض دفع الجزية لملك أشور الجديد وبدأ يبحث في تحالفٍ مع سوا ملك مصر. إلا ان جاء شلمناسر وحاصره في عاصمته السامرة وخضع له هوشع عنوةً. ولكن مات الملك شلمناسر قبل استلامها للسامرة وخلفه خليفته سرجون وأخذها بعد حصار دام ثلاثة سنين.[2] في هذا الرأي يمكن الإستنتاج الآتي، أولاً: أن الملك هوشع ملك إسرائيل خصع لثلاثة ملوك أشّورية. الملك تغلث فلاسر، اللمك شلمناسر والملك سرجون. ثانياً: إنّ الملك سرجون هو الملك الذي حاربه الملك والفرعون شباتكا وأخوه الملك ترهاقة. إذاً، بما أن الملك هوشع عاصر الملك آحاز ملك يهوذا وهو نفس الفترة التي حكم وقع فيه خضوع الملك هوشع لملوك أشور الثلاثة، يبقى هي فترة الملوك الكوشية على عرش مصر والسودان وبالتالي يكون الملك سوا ملك مصر هو أحد الفراعنة السود.
الرأي الثالث: في هذا الرأي يبدو أن صاحب هذا الرأي يرى بوضوح أن الملكين، الملك سوا ملك مصر والملك ترهاقة ملك كوش والمذكورين في الكتاب المقدس هما ملوك إثيوبيا “كوش” العظام كما يكتب في دائرة المعارف الكتابية قائلاً: “كان شاباكا (= سوا، 715- 707 ق.م) وتهراقة أو ترهاقة (693- 667) المذكورين في الكتاب المقدس، هما آخر ملوك إثيوبيا العظام.”[3] هذا الرأي يبدو منطقية أكثر لأن إذا كان فترة الملك سوا ملك مصر هو بين عام 715 إلى 707 ق.م، يبقى هي فترة الملوك الكوشية وبالتالي يكون الملك سوا ملك مصر هو فرعون كوشي على مصر والسودان واقعياً.
الرأي الرابع: يرى هذا الرأي أن الملك “أوسركون” الثالث عاصر أول ملك كوشي وهو الملك “كاشتا” الذي أجبره على تبني إبنته “أمنردس” لتكون الكاهنة والمتعبّدة الإلهية بعد بنت “أوسركون”. وبعد هذا التبني أصبح للملك كاشتا حق شرعي لتولى عرش مصر بعد الملك “أوسركون. وكان ذلك في عام 750 ق.م. كما يكتب سليم حسن في هذا الخصوص،
وقد انتهز ملوك “كوش” الذين كانوا يحكمون على بلاد “النوبة” السفلية والعلوية حتى الشلال الرابع فرصة هذا الإنقسام في الديار المصرية، فزحف “كاشتا” ملك “كوش” من عاصمته “نباتا” على مصر حتى وصل إلى “طيبة” حوالي عام 750 ق.م. والظاهر أنه لم يجد في طريقه أية مقاومة، بل سلمت له المدينة، فاتخذها عاصمة لملكه في مصر، ولم يمدّ فتحه إلى أبعد من هذا، وكان ذلك حوالي عام 750 ق.م. والظاهر أنّ كلا من “أوسركون” الثالث” و”تاكيلوت” كانا يحكمان البلاد بالاشتراك في تلك الفترة في طيبة، وقد كانت “شبنوبت” بنت “أوسركون الثالث” تحمل لقب المتعبّدة الإلهية أو الكاهنة العظمى لآمون، فأجبر “كاشتا” هذه الكاهنة العظمى على أن تتبنى ابنته “أمنردس”، وهذا التبني قد منح أُسرة “كاشتا” الكوشي حقوقاً زادت في إدعائه لعرش مصر، وبعد اختفاء “رود آمون” خلف “ناكيلوت” الثالث” وهو آخر ملوك هذه الأُسرة أصبح تولي “أمنردس” عرش رياسة كهنة “آمون” بعد موت “شبنوبت” مضموناً، وذلك لأختفاء أُسرة الأخيرة نهائيّاً وحلول الأُسرة الكوشية محلها.[4]
كما يكتب سليم أيضاً فيقول: بعد موت “شبنوبت” المتعبّدة العظمى بنت “أوسركون” إنتقل وظيفة الكاهنة إلى “أمنردس” بنت الملك “كاشتا” الكوشي وبذلك انتقلت قوّة “طيبة” من أُسرة “أوسركون” إلى أُسرة الملك “كاشتا”. وهكذا أصبح للسودان حق شرعي في عرش مصر.[5] من الملاحظ هنا هو أن الملك “أوسركون الثالث” والذي يعتقد البعض هو الملك “سوا” ملك مصر، هو عاصر أول ملوك الأُسرة الخامسة والعشرين الكوشية وهو الملك “كاشتا” وذلك عام 750 ق.م. وما بين حكم الملك آحاز ملك يهوذا وإبنه حزقيّا ملك يهوذا فترة طويلة جداً وهو ما بين 716 إلى 667 ق.م. لأن هوشع الملك الذي حاربه الملك “سوا” ملك مصر، وعاصر الملكين تقريباً وبالتالي يكون من المستحيل أن يكون الملك “سوا” ملك مصر هو “أوسركون”
يمكن الإستنتاج الأتي: إذا كان الملك هوشع ملك إسرائيل حكم في السنة الثانية عشر لملك آحاز ملك يهوذا، يكون من المنطقية أنّ الملك هوشع حكم ما بين 716 إلى 667 تقريباً وهي فترة ملوك كوش على عرش مصر والسودان. أيضاً إنّ فترة حكم آحاز وحزقيّا فترة متقاربة لأن حزقيّا ملك بعد أبيه آحاز والذي عاصر الملك هوشع. ولأن الملك ترهاقة حارب بجانب الملك حزقيّا ضد الملك سنحاريب ملك أشور بن سرجون الثاني حسب ما جاء في (2مل 19: 9، إش 37: 9)، وبالتالي بحسب هذه الآيات، سوا ملك مصر هو الفرعون شباكا ملك مصر والسودان وهو كوشي وليس مصري. وبهذا الاستناج فالملك “سوا” ملك مصر المذكور في (2مل 17: 4)، هو فرعون كوشي وبالتالي، حسب هذا التاريخ يكون الملك “سوا” هو نفسه الملك وفرعون “شباكا” الكوشي.
بقلم/ هابيل شمسون
باحث في تاريخ السودان الكتابي
[1] جون ماك آرثر، تفسير الكتاب المقدس. طبعة ثانية، 662.
[2] وليم مارش، السّنن القويم في تفسير العهد القديم: شرح سفر الملوك الثاني. 43.
[3] وليم وهبه، المحررون، دائرة المعارف الكتابية. المجلد الأول حرف الألف. 80.
[4] سليم حسن، موسوعة مصر القديمة، الجزء التاسع. ط.
[5] سليم حسن، موسوعة مصر القديمة، الجزء التاسع. ي.

Good article. I definitely appreciate this website. Stick with it!